فنان سوري يحوّل المرأة إلى كائن بشري عابر للأجناس

“امرأة تتحدى الغياب”، عنوان المعرض الفردي للتشكيلي السوري سعود العبدالله في العاصمة اللبنانية بيروت، وتضمن 32 عملا فنيا من الرمل الطبيعي على القماش.
الجمعة 2018/04/13
غواية الغياب

بيروت - قال الفنان السوري سعود العبدالله في حديثه عن معرضه المقام حاليا في غاليري “آرت أون 56 ستريت” ببيروت “لم تعد تشدّني المدرسة الكلاسيكية والواقعية التسجيلية مهما كانت نتائجها مبهرة، لأنني دائما أعتقد أن الأثر أهم من الحادثة نفسها، أي لستُ مع الفنان الذي يرسم الواقع كما هو.. فالفن ليس تسجيلا للوقائع”، أبلغ كلمة استخدمها الفنان في التعبير عن فنه هي “الأثر”، فبالأثر ومنه تكونت جميع أعماله.

ولعل هذا المعرض، هو من تلك المعارض التي قد تضع نظرة الفنان إلى عمله في اختلاف مع نظرة بعض الناظرين إليه، ومن هنا تكمن عصريته وقابليته لأن يكون بابا مفتوحا على التأويل.

ويعنون العبدالله معرضه بـ”امرأة تتحدى الغياب”، ليتفق كل زائر لمعرضه أن أعماله أتت مشغولة بحساسية كبيرة وقدرة على استخدام الخطوط المُختزلة لتشكيل نسوة في وضعيات مختلفة أو منهمكات في أشغالهنّ وتفاصيل حياتهن اليومية، إلاّ أن الاختلاف معه قد يقع في طريقة النظرة إلى الغياب، إذ لا يبدو الغياب في لوحة الفنان أمرا يودّ أو يستدعي أن تتحداه المرأة، فهو في لوحاته سكينة وغمرة متواطئة مع نسوة لوحاته.

كما لا يبدو على “الغياب” هيئة المقرون بالامحاء أو الوحدة أو الفراغ والملل، ربما قصد الفنان في وضعه لهذا العنوان أن التحدي كامن ضمن عجينة الغياب ذاته، أي أن المرأة  بتحديها له تفضح حقيقة الغياب الذي ليس هو في حقيقة عالمها المرسوم في 32 لوحة، إلاّ امتلاء وتناغما مع آفاق داخلية وخارجية حقّقتها ريشة الفنان المُثمنة للفراغات التي من شأنها أن تشكل وليس أن تمحي سكينة داخلية.

وتتناغم امرأة لوحاته مع زيّها التقليدي، وعريها غير المبتذل، واتصالها بمساحات غير مشغولة من القماش، ومجاورة قطة، وطفل تتولى إرضاعه وكتاب بين اليدين ومقعد، وسرير يحتضن سرّها، وفكرة تشغل بالها دون أن تصيبها بصداع لن يذهب إن هو حلّ فعلا.

وبعيدا عن أجواء “النسوية” التي تحمل الكثير من الادعاءات البالية، تبدو المرأة في أعمال الفنان كائنا بشريا عابرا للأجناس، حتى وهي منشغلة بإرضاع طفلها تبدو وكأنها خارج الفعل المباشر ونحو الأشمل، أي مدّ اللوحة بما تحتاجه لكي تحيا.

والمرأة هي وباختصار شديد “مدفئة” اللوحات، هي مُحرك ومُفعل لكل ما حضر معها أو حولها من موجودات، وهي بذلك تنضح بأنوثة أبعد من معناها المحدود وقد مثلها الفنان بصريا بمنعطفات من حبوب رمل متراصة أخذت مسارات واضحة مُشكّلة حميمية هيئات تشبه في نواح الكثبان الرملية التي لا تعرف للزوايا الحادة أي معنى مفيد.

واستخدام عنصر طبيعي كالرمل في بناء الأعمال، وتقشف في الخطوط وتقشف في الألوان وحضور لتخللات فراغية أعطت الأهمية لما حضر من مختصرات، كلها علامات تذكّر بالفن الياياني بشكل كبير، كما ذكر التشكيلي السوري إدوارد شهدا في تقديمه لمواطنه سعود العبدالله في معرضه الجديد "ولكن بعناصر محلية، كلباس امرأة بالزي المحلي، ملخصا إياه ببقعة بيضاء، أو امرأة ترضع طفلها وهو الموضوع المأثور في بيئتنا الشعبية، ومن ثم يتنقل بسلاسة إلى المرأة العارية في أوضاع مختلفة غالبا مع قطة إلى مجموعة من الأشكال مستمدة من البيئة".

سعود العبدالله يرسم عريا غير مبتذل
سعود العبدالله يرسم غريا غير مبتذل

ويضيف إدوارد شهدا في تقديمه "سعود العبدالله يستخدم مواده من الطبيعة، من الصخور المطحونة، فيحصل على الرمل فقط ولاشيء غير الرمال هي مواد لوحته، تلك المادة التي تستخدم عادة في البناء، أما هنا فهي إنجاز عمل فني عالي التركيز.. ينظر سعود إلى أشكاله بعين الإلغاء وليس الاضافة، حيث يصل الإلغاء إلى جذور الشكل، إلى ما قلّ ودلّ".

أما سعود العبدالله، فيقول عن تجربته الفنية “أحاول أن أعدّل الأشكال باستخدام الخط المنحني، الذي يعطيني فرصة لتطوير فكرة النموذج، يمكنني استخدام الرمال الطبيعية في اللون الطبيعي الخاص بها، التي حصلت عليها من عدة مناطق من سوريا من أجل إثراء بساطة الأشكال في رسوماتي، ولذلك فإن التقنية في أعمالي هي امتداد للنموذج، وليس العكس”.

هذا “الامتداد” للنموذج الذي خلص إليه الفنان، جنبا إلى جنب مع فكرة “الأثر” الذي ذكرناه آنفا نوّد أن نعتبرهما التقنيتين اللتين عبرهما استخدم العبدالله آليات الخزف والتحوير وتشكيل المعالم بالفراغ المنحوت والريّ بالقليل الكافي من ماء الرمال التي جمعها بنفسه من مختلف المناطق في سوريا، آليات أخرجت عالم الفنان إلى العلن بخصوصية واضحة جدا.

عالم مسكون بالصمت والهدوء وينضح بإحساس العبدالله المرهف نحو المرأة، لذلك لا يبدو الغياب يستحق أي استنفار أو تحدّ، فهو غياب من نوع آخر، هو حضور متعال على الترسيم الحدودي، غياب غير محكوم بالمكان، فنساؤه يعشن وسط أماكن مبهمة ومجهولة الملامح وهنّ خارج الزمن، إذ لا يمكن تحديد في أي وقت قمن بهذا أو ذاك العمل، أو مكثن في عين اللاحركة كفعل صلاة.

لوحات الفنان سعود العبدالله، تقول “عند النظر إلى اللوحات الفنية أنتم دائمو الانشغال بتصنيف وتبويب الأشكال كعلامات محدّدة لهويتها، ماذا لو تأملتم هذه المرة في هوية الفراغ الذي يسكنها؟”.

17