فنان سوري يعلي من الخط رسما وشعرا

الفنان فادي العويّد يبدو في لوحاته محاورا الحرف، خائضا معه نقاشا قوامه التواصل والرغبة في الوصول إلى منطقة وسطى يكون فيها للفنان ما يريد، ويكون للحرف ما يرضيه.
الاثنين 2019/06/03
بناء روحي ووظيفي للخط العربي

يعرض الفنان التشكيلي والحروفي السوري فادي العويّد في “تيراس بيروت” بالعاصمة اللبنانية بيروت مجموعة كبيرة من أعماله الفنية الحروفية الجديدة، مضيفا إليها بضعة أعمال كان قد عرضها سابقا، ويشمل المعرض أيضا أعمالا نحتية مستوحاة من روح الحروف العربية وأشكالها الحيوية يستنطق بها الحجر.

بيروت – أي كتابة عن أعمال الحروفي السوري فادي العويّد لن تكون إلاّ تعقيبا أو استنباطا مما كتبه الفنان في كُتيب مرافق لمعرضه المُقام حاليا بصالة “ترياس بيروت” بالعاصمة اللبنانية، في هيئة شذرات وجدانية متأصلة ونابضة.

وسيكتشف زائر معرضه كما قارئ كلماته من جهة كيف يكون الفن مدموغا بالكلمة ومرآة تعكس وتترجم بصريا توتراته وخلجاته، ومن جهة ثانية كيف تكون الكلمة خارجة من مصهر بصري/ تجريدي تتأرجح فيه الروح ما بين انكفاء، وإقدام وتبصّر.

كتابات شعرية

تراثنا الجميل وخطنا النبيل
تراثنا الجميل وخطنا النبيل

قدّم فادي العويّد في معرضه السابق المعنون بـ”هي” أعمالا حروفية فنية ترافقت مع نصوص قصيرة جدا تعبر إما عما تتكلم عنه الأعمال أو توضح ما خطّه فيها من أقوال مأثورة، غير أن ما وضعه لهذا المعرض من كلمات مرافقة في كُتيب ثمين، تخطى ذلك بأشواط، ليكشف لنا عن كاتب موهوب جدا يكتب كما يرسم من وحي ما تسن له الحروف من قوانين اللغة العربية الفذة، وما تهمس له من أفكار ومشاعر تصل في أحيان كثيرة إلى تجريدية مطلقة تحافظ على وضوح ما يمنعها من أن تكون نخبوية أو مشغولة بالتنميقات الزائفة والمتعالية.

نذكر هنا من بعض ما كتب “وزادني ثملا بجماله كفاتنة تبخل على مضناها بلمح وصال، فلا يدنو ولا هو يقرّبني، فأردفته بوجوه رائعات السنين والأدب ورائعات الشعوب والرتب، يحاورها ويجاورها، فيزيدها بهاء، تذوب نقاطه غيرة كما تغار منه هي..”.

وأيضا بالترافق مع صورعن أعماله النحتية/ الحروفية كتب العويّد “أيكفيك يا حرف أن أصوغك من جديد، ذهبا وحجرا وحتى حديد، فكأن لك من نور عينيّ سقاء، وتقول نهما هل من مزيد؟!”.

معرضه نكاد نصفه بالكليّ لأنه أخذ على عاتقه تدوين مقامات الحياة بكل ما تشمل من تناقضات وانبعاثات ومراحل على لسان خط عربي أبى أن يكون أقل مما هو، أي الناطق بالحياة الأرضية والمتصل اتصالا متينا مع ما ورائيات نحن في أشد الحاجة إلى الاتصال بها في أيامنا العربية القاتمة هذه.

الحرف العربي عند الفنان السوري، حرف حيّ يستطيع أن يحافظ على جوهره وأن يتجدد في روائعه في آن واحد

وفي بعض الأعمال المعروضة يقارب فادي العويّد خطوط الثقافات الصينية واللاتينية بجمالية مرهفة، ولكن ليطغى عليها الجوّ المشرقي/ الصوفي وليحضر مبدأ “القايم/ النايم” في الهندسة الشرقية، كما في لوحة يطلق عليها الفنان اسم “بحر الهوى” ويرفقها بكلمات للحلاج “قلوب العاشقين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون”.

ونذكر أيضا لوحة يعلّق عليها الفنان بكلمات للشاعر العربي أبي الطيب المتنبي “إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم”.

وتكاد كلمات الفنان/ الشاعر التالية تأخذنا إلى الصعاب التي واجهها إزاء تعلقه باللغة العربية وفنونها، وتدلنا إلى قلبه وإلى “جنسية” وهوى الحرف الذي يتربع على عرشه: إنه الحرف العربي.

يقول العويّد “أبحرت بك مفاخرا أقتبس من هدي تجليك، وتمزقت أشرعتي مرارا بغطرسة جاهلين، استبد بهم وهم العجمية الزائف والتحضّر المأفون، فأبيت إلاّ أن تقهرهم بقليل مما حُبيت، فكنت كشمس أشرقت على عتبات سور الصين العظيم”.

ألق الخط العربي

لا بد أن يكون الخط العربي رائدا ومنبرا للوعي
لا بد أن يكون الخط العربي رائدا ومنبرا للوعي

تستحق كل أعمال فادي العويّد أن نقف أمامها طويلا وأن نتمهل أمام نوعين منها: تلك التي يريد أن يعبّر فيها وعلى لسان الحرف عن فصول الحياة من ربيع وشتاء وصيف وخريف، وحب، وحرب، وسلام، وتقلب الليل وتبدل النهار في مربعات ومستطيلات وأفلاك بديعة صوفية المنحى، وتلك التي يذهّبها الفنان بألق روحه وحبره وحرفيته العالية جدا في خطه لبعض الآيات القرآنية الكريمة المُختارة.

تلك الآيات الجليلة خطها الفنان بكلاسيكية تحترم من جهة قوانين الكتابة الحروفية، وأدخل إليها من جهة أخرى تحديثا جماليا يؤكد بأن الحرف العربي هو حرف حيّ يستطيع أن يحافظ على جوهره وأن يتجدد في روائعه في آن واحد، ونذكر من الآيات والسور الكريمة آية “الكرسي” وصورة “الفاتحة” وخواتيم سورة البقرة وسورة “الفتح”.

هكذا يبدو الفنان في لوحاته محاورا الحرف، خائضا معه نقاشا قوامه التواصل والرغبة في الوصول إلى منطقة وسطى يكون فيها للفنان ما يريد، ويكون للحرف ما يرضيه بنائيا وروحيا ووظيفيا.

يُذكر أن الفنان فادي العويّد متخصص في الحرف العربي وشارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية في سوريا وتركيا ودبي ولبنان ونال جائزة البردة للخط العربي بالأسلوب التشكيلي سنة 2018.

كما حاضر في موضوع الخط العربي وتطور الكتابة، وأقام ورشات تدريب على كتابة الخط العربي بأنواعه، ويدل مسار حياته على أنه مبتغ لمستقبل لا بد أن يكون فيه الخط العربي رائدا ومنبرا للوعي والتطور تبهت أمامه الوسائل التعبيرية الأخرى.

كما يدل على موقف واضح من الخط العربي والحضارة العربية وتمن مقرون بفعل إدراج تعليم الخط العربي الذي لا بد أن يدخل إلى المناهج التربوية المدرسية، لأنه ابن هذه المنطقة ومتأصل في عراقتها وفي بلاغة اللغة العربية وفنونها التعبيرية.

ويكتب الفنان في بداية الكُتيب الذي وزعه على زوار المعرض ما يختصر رؤيته ويضيء درب حياته بهذه الكلمات المُعبرة “للغتنا العربية وقع موسيقي فريد يسلب الألباب ويُرهف القلوب، ينفذ صوتها إلى أعماق النفس والروح، وتنساب صورتها سوادا في بياض كحسناء في صفحة الخد، تبتدئ بنقطة أساس وتنتهي بخط مُشرعة كقمة وصول تجريدية أصلها في التاريخ وفرعها حتى النفخ -ويأبى الكثير-، هذه الصورة لأصواتنا هي تراثنا الجميل وخطنا النبيل، الذي ينضبط بأصول وقواعد فكانت من أسرار الوصل..”.

وفي مكان آخر من الكتيب يخطّ فادي العويّد ما يُمكن اعتباره إمضاءً شخصيا أرساه على حوافي كل أعماله الفنية المعروضة، يقول “فانفجرت نقطة حرب وحب، خالجها رجاء وابتهال أن تُفضي إلى موت رحيم، أو أمل بلقاء وسلام يبعث الحياة في النفوس الخربة (…)”.

17