فنان سوري يُدين سلطة المال في عالم مأزوم اقتصاديا وأخلاقيا

معرض للفنان التشكيلي السوري رفاعي أحمد حول جانب من سلطة المال المتمثلة بـ”الدولار الأميركي”.
السبت 2020/07/18
الورقة النقدية تتضاعف في لوحات رفاعي أحمد

ستعرض صالة “كلمات للثقافة والفنون” بمدينة إسطنبول لصاحبها السوري الشغوف بالفن أحمد عدنان معرضا للفنان التشكيلي السوري الشاب رفاعي أحمد بعد بضعة أشهر. معرض يتمحور حول جانب من سلطة المال المتمثلة تحديدا بـ”الدولار الأميركي”.

من المقرّر أن يقدّم الفنان السوري رفاعي أحمد في نوفمبر المقبل بصالة “كلمات للثقافة والفنون” بمدينة إسطنبول معرضا تحت عنوان “صحة الكوكب”، عنوان مربك قال عنه صاحب الرواق أحمد عدنان، “هو عنوان فيه من الإيحاء الشيء الكثير من الرغبة في السخرية من العالم والتهكم على سلطة المال المركزية التي تحرّك العالم وتسن قوانينه الاقتصادية”.

ويضيف “منذ أن انتقل رفاعي أحمد إلى مدينة فيينا بدأ فنه يتبلور باتجاه التعبير عن الإنسان في ظل عالم جديد يعيش حروبا بكل أنواعها، تسلبه خصوصيته وتجعله رهينا لها ولنتائجها”.

وليس رفاعي أحمد أول من أدخل العملة النقدية، ولاسيما الدولار الأميركي الذي يتحكم في اقتصاد العالم إلى مجال التعبير الفني/ المفهومي. فقد سبقه إلى ذلك العديد من الفنانين العالميين، ويظل أبرزهم على الإطلاق الفنان الأميركي أندي وارهول الذي أنتج العديد من الأعمال الجدلية المستوحاة من المجتمع الاستهلاكي (الذي هو صنيعه)، فقدّم مجموعة من اللوحات التي يتكرّر فيها الدولار كلفظ سحري ومُبتذل يصف العالم وينتقده ويتبناه في آن واحد.

ولم يخرج الفنان التشكيلي السوري الشاب عن هذا المنطق الذي يقول إن الفن هو انعكاس لزمانه ومكانه، من خلال مجوعة لوحات جديدة رسمها في زمن يعاني فيه بلده سوريا من أزمة مالية حادة، ويتلقى فيه لبنان، البلد المجاور، أشدّ ضربات الشقاء من تلاعب بسعر الدولار وانهيار للعملة اللبنانية تزامنا مع الأزمات السياسية الحادة.

وسيقدّم الفنان للمشاهد في معرضه المرتقب مجموعة من الأعمال الفنية/ المفاهيمية محورها الدولار الأميركي بأسلوب يختلف عن سائر الفنانين من قبيل الفنان اللبناني/ الفرنسي والسنغالي الأصل هادي سي الذي أقام معرضا في صالة “صالح بركات” البيروتية منذ أكثر من سنة، غاص فيها في طبقات المفهومية/ الرمزية للدولار الأميركي. لوحات الفنان رفاعي أحمد، جاءت، خلافا لأعمال الفنان هادي سي، لوحات مباشرة في التشكيل والمضمون بشكل أساسي بذل فيها الفنان جهدا فنيا أكثر منه مفهوميا.

وتأتي أعماله مضاعفة لقيمة الدولار “الشكلية” وشبه مهمشة لحيثية ولرمزية هذه القيمة. فالعملة العالمية بدت في لوحاته كسائر العملات الأقل منها أهمية، خالية من أي معنى باستطاعته أن يصوّب مسار الكوكب السائر إلى الانهيار المادي والمعنوي على السواء، أو بالعكس، أي يأخذه إلى نهايات مأساوية.

الفنان التشكيلي السوري يقول إن الفن هو انعكاس لزمانه ومكانه
الفنان التشكيلي السوري يقول إن الفن هو انعكاس لزمانه ومكانه

ومناسبة عرض هذه الأعمال الفنية لا تأتي أهميتها فقط عبر مزامنتها للأحوال الاقتصادية المتأزمة جدا، بل تأتي بعد ما كشفته أزمة تفشي وباء كوفيد – 19 من جشع ونرجسية فاقا الوصف وأفرزا تقاتلا بين دول عظمى حول معدات ومواد مكافحة الوباء، وصولا إلى حد قرصنتها في عرض المياه الإقليمية التابعة لها.

رسم الفنان رفاعي أحمد وجه جورج واشنطن الأيقوني في وسط العملة الورقية بشكل غالب، متحوّل الملامح تحت ضربات ريشته التي غلب عليها بياض اعتباطي. وأحيانا يرسمه في لحظات تبدل باطني خرج إلى علنية ملامحه، خاصة في عينيه، لتفضح اهتراء ليس معنيا بقيمة الدولار المباشرة وتأثيرها على باقي العملات، بل لتكشف عن اهتراء في المنظومة الأخلاقية بشكل عام واختراق لإنسانية الإنسان بمعايير جديدة هدّامة.

في أكثر من لوحة، برز فيها الدولار حينا وغاب تحت طبقات لونية حينا آخر، يبدو الإنسان بشكل عام إما كضحية وإما كجلاد. والأهم من ذلك أنه في كلا الحالتين، ظل وليد نظام عالمي قام إما بصناعته وإما بالترويج لمظاهره.

هناك بضع لوحات تتشابه وقد يكون المبرّر الوحيد لتشابهها هو أن “وجوه” جورج واشنطن مطبوعة عليها وبشكل من التكرار عدة دوائر فراغية متشابهة الأحجام تذكر بالرقم صفر الخوارزمي، ولكنها لوحات لا تغوص بعيدا في أعماق الرمز كما سبق وأن ذكرنا، بل تكتفي باستيلاد “مسيرة استعراضية” للعملة الورقية الشهيرة، تُدين وتُدان في آن واحد. وتشكل هذه الازدواجية وفاء لمعايير الحاضر المأزوم وتكتمل بلغته.

والمتابع لمسيرة رفاعي أحمد الفنية سيشهد كيف تبلور أسلوب تعبيره بشكل كبير شكلا ومضمونا. حيث بدأ الفنان بالواقعية لينطلق بعد ذلك إلى التعبيرية وصولا إلى التجريدية، ويقول حول ولعه بهذه المدرسة الفنية “اللوحة ضمن إطار هذه المدرسة لا تنتمي إلى فترة زمنية معينة، وهي لوحة تتميّز بلا محدودية المكان وانفتاحه نحو المطلق”.

ومن الواضح، أنه اليوم، ومن خلال لوحاته الجديدة يغادر التجريدية مستفيدا من انفتاحها نحو الفن المفهومي. غير أن أمامه طريقا طويلا كي يتمكنّ من تعميق معاني لوحاته.

14