فنان عراقي وطائرة أميركية تجر تمثالا لملك سومري

منذ معرضه الشخصي الأول في بغداد في نهاية ثمانينات القرن الماضي، ظل الفنان العراقي محمود عبيدي مثابرا ومجتهدا في تحصيل خبرة جمالية ذات بعد تجريبي ومعاصر في تأليف عمله الفني وبحس استفهامي في الغالب، ومن هناك سيكون أمينا لرهانه هذا في العديد من المعارض والمشاريع الفنية التي قدمها بعد ذلك التاريخ، حيث ستشكل تاليا رؤية جادة وملتزمة تجاه الأفكار التي يقدمها في تجاربه، والتي تشتبك سياسيا في تمثيلها لصورة الواقع وراهنيته، في نقد له، وعبر إجراءات مفهومية لجهة أطروحاته البصرية والفنية.
الجمعة 2016/10/21
مشهدية جارحة

في معرض التشكيلي العراقي محمد عبيدي الذي حمل عنوان” فتات”، والمقام حاليا في الحي الثقافي، كتارا، الدوحة، للمدة من 18 أكتوبر الجاري حتى 30 يناير 2017، يستعيد عبيدي مشهدية جارحة، تلك التي حصلت في بغداد ما بعد احتلال عام 2003، موضوعات معرضه جاءت من صلب تداعيات ذلك الحدث بدواعيه، وبآثار فوضاه المدمرة التي اصطنعها.

استعادته، تلك، قدمها عبر استعارات مركبة لا تخلو من رمزيتها التاريخية أو الواقعية، وبحساسية هي أقرب منها إلى التهكم حينا والإشهار حينا آخر، وبضرورة افتراض مقاربة مع عنوان لتجربة تنطوي على قصدية لافتة، تحيل إلى تصور يبوح بمعنى أن الفتات هو ما تبقى من احتلال العراق.

جاءت طبيعة أعماله المقدمة في المعرض، على نوعين فنيين وتجربتين مختلفتين في طبيعتهما الإجرائية والتنفيذية، لكنهما معا يتمثلان غرضهما في تقديم وحدة عرض تتوافق في الموضوع.

في تجربته الأولى، التي تتألف من أربع لوحات مسندية، سيتمثل عبيدي بأسلوبية هي امتداد لأعماله على لوحة الحامل، الحس التعبيري القائم على صياغات عفوية ومبسطة ومتقشفة في تفاصيلها، لأشكال بشرية غامضة، تم تحوير ملامحها، بما يجعلها حاملة لبعد سحري وأسطوري موغل في زمنيته، يستخدم خلالها ألوانا حيادية تتدرج بين الأسود والأبيض الكابي.

تنتمي هذه الأشكال إلى تداعيات ذاتية بامتياز، شكلتها عواطف الهجرة والمنفى (عبيدي غادر العراق منذ ربع قرن، ليقيم في كندا)، أشكال لبيوت تتوزع على السطح التصويري للوحاته، هي دلالة على حنين للحضور في وطن لم تعد بالمستطاع العودة إليه، البيت الذي بات رديفا للغربة. فيما جاءت تجربته الثانية، بسياق معاصر؛ أعمال تركيبية بصياغات نحتية مجسمة لآثار تاريخية ذات سمة حضارية، أو أعمال واقعية تطغى عليها ملامحها الراهنة، تتخذ شكل مشروع فني، تتوزع في فضاء العرض، على شكل أعمال يحمل كل منها دلالته التي تعرّف به.

عمله التركيبي هذا، يحتفظ بشروط دلالته للتعريف بتلك المقارنة بين وطن يحمل عمقه الحضاري، وفعل الاعتداء الذي تعرض إليه وأحاله إلى أرض يحترب عليها الموت، ويسكن بين أطلالها الخراب

عمل مجسم لرجل وامرأة مقطوعي الذراع، تدفع الأم بطفلها المضطجع على عربة صحية للمعاقين، بينما يحاور الرجل طفلا آخر تبدو عليه سمة التشرد، ملوية سامراء في وضع مقلوب، تمثال الحرية الأميركي معلق بحبل في السقف، رأس الثور المجنح الأشوري مثبت بحبال سميكة على الحوض الخلفي لسيارة حمل قديمة، تمثال الرئيس العراقي الأسبق في صورة مشابهة للتمثال الذي أسقط في ساحة الفردوس في بغداد يوم دخول المحتل الأميركي إليها.

عرض يتألف من تماثيل سومرية صغيرة ولقى أخرى ومسامير تشير جميعها إلى نتاج الحضارة السومرية، بروفايل نحتي لرئيس الولايات المتحدة السابق جورج دبليو بوش تحيط رأسه الأحذية بما يماثل أوراقا لزهرة، منفذ بمادة البرونز، طائرة حربية مقاتلة مرماة على الأرض، مشدود عليها تمثال لملك سومري مع سبطانة لمدفع دبابة.

عمله التركيبي هذا، يحتفظ بشروط دلالته للتعريف بتلك المقارنة بين وطن يحمل عمقه الحضاري، وفعل الاعتداء الذي تعرض إليه وأحاله إلى أرض يحترب عليها الموت، ويسكن بين أطلالها الخراب.

ثمة حس سياسي حافل بالإدانة في أعمال كهذه، وهي تكرس معنى قائما في ذاكرة عبيدي لم يفارقه في الكثير من تجاربه ومعارضه التي أقامها بعد العام 2003.

يأتي معرض “فتات” للفنان محمود عبيدي وكأنه استكمال لمشروع واظب على إنجازه، حيث عرض قبل شهر، في غاليري “ساجي” في لندن معرضه الشخصي الآخر والذي جاء بعنوان “بيان بغداد”، حمل ذات الدلالات، بصيغة عرض أعمال “فيديو آرت” وأعمال تنصيبية، حاملة لذات التوتر وصورته التعبيرية، كاشفا خلاله عن أحداث سياسية، وجرائم ارتكبها الجندي الأميركي متمثلا بتعذيب السجناء العراقيين في سجن أبوغريب، لقد مثل معرضه ذاك بيان إدانة لما حل بمدينته بغداد. والفنان محمد عبيدي ولد في بغداد 1966، وتخرج في كلية الفنون جامعة بغداد 1990، وحاصل على شهادة الماجستير من غويلف/كندا، وشارك في معارض دولية عديدة، كان منها معرضه الشخصي في بينالي البندقية عام 2015.

17