فنان على قارعة طريق

الجمعة 2014/08/15

هي زيارتي الرابعة إلى مرسيليا خلال السنتين الماضيتين، مرسيليا بوابة “الشاطئ اللازوردي” الفرنسي، باتت لي معها علاقة وطن لم أولد فيه، بل أحيا فيه كلما حنّ فيّ هيام السفر.

مرسيليا التي زرتها في يناير 2013، لأول مرة في افتتاحها عاصمة للثقافة الأوروبية 2013، والثانية لأجل متابعة مسرحية “طقوس الإشارات والتحولات” للكاتب المسرحي السوري الراحل سعدالله ونوس، وإخراج المسرحي الكويتي سليمان البسام، والذي قدمته في أواخر أبريل من السنة ذاتها فرقة “لا كوميدي فرانسيز”، في بادرة غير مسبوقة من قبل الفرقة محتفية ولأول مرة في تاريخها -أتمت عامها (2013) السنة 333 منذ تاريخ الإنشاء- بنص عربي.

ثالثة أثافي زيارتي لمرسيليا كان في يونيو من السنة عينها، إياها، في الافتتاح الرسمي لـ”فيلا” المتوسط التي تتوسط الميناء السياحي القديم والميناء التجاري “لاجوليات” على خطوات قريبة من متحف “لاموسيم” (متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية).

بعد نحو سنة ونيف، عاودني الحنين إلى مدينة الكنائس المعلقة “مرسيليا”، ليس في إطار مهني ككل مرة، بل تتمة لبعض ما لم أكتشفه فيها، في إجازتي السنوية.

وصلت مرسيليا هذه المرة عبر الباخرة مع العائلة مرفقينا بسيارتنا الخاصة، زوال يوم 28 يوليو الماضي، فنزلنا بالغرفة 303 في فندق بمنطقة برادو-بارك شانوت، القريبة من ملعب فيلودروم الشهير، وعلى مسافة دقائق معدودات من الشاطئ اللازوردي لمرسيليا الشمس المتوسطية.

بعد راحة، ساعة من تعب الرحلة البحرية من ميناء حلق الواد التونسي إلى ميناء مرسيليا التجاري، والتي تواصلت زهاء دورة قمرية، قررنا زيارة الميناء القديم، نبض الحياة بمرسيليا الليل.

في شارع “الكانبيير” الكبير، كان لقائي معه صدفة، فنان حقيقي على قارعة الطريق، يجلس القرفصاء وبين يديه عصاتين، يقرع أدوات منزلية مستعملة، مما خف حملها وعلا صوتها، إيناء، وعاء، قدر، خزان ماء وغيرها من الأدوات المطبخية المستعملة.

واضعا أمام أدواته التي ينقر عليها حقيبتين من الحجم الكبير، يبدو أن لهما دورين: الأول ليجمع أدواته المبعثرة، والثاني لتجميع بعضا من القطع النقدية التي يجود بها بعض مشجعيه، فتسكن جوعه وحاجته اليومية، وهي عادة أوروبية بامتياز في بلدان يتوسّلون فيها متسوّلوها تعاطف المارة عبر الموسيقى والرقص وإتيان الفنون، لا بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها، كما هو حال متسولينا.

صديقنا كان فنانا حقيقيا أكثر منه مشرد يقتات من موسيقاه رزق يومه، لم يتوقف عن العزف الموقّع بتأليف موسيقي صحيح، يبدو أنه هو واضعه مع الكثير من الارتجال، ولا يرفع رأسه حتى ليرى وقع موسيقاه في العابرين، ولا يأبه لقطعهم النقدية الممنوحة له.

فجأة قدمت سيدة أرستقراطية، تصحب كلبها “الكانيش” بيد يسرى وتخرج بيد يمنى من حافظة نقودها ورقة نقدية من فئة 500 يورو، أجل 500 يورو بالتمام والكمال، لتضعها في إحدى حقائبه المفتوحة لاستقبال عطايا العابرين أو الواقفين المستمتعين بموسيقاه.. ومرّت.

لم يرها، في حين هي رأته، وانتبهت إليه بورقتها النقدية المشجعة لموهبته وورقة أخرى خطت عليها رقم هاتفها واسمها، وبخطّ أحمر بارز: “أرجو الاتصال لأمر يهمك.. أكيد، شكرا”.

قرأت كل هذا، طبعا، بفضولي الصحفي الذي ألهمني أن أجمع الورقتين، وأمنحهما للعازف المنكس رأسه، خوفا من أن تحملهما هبة ريح عابرة، وهو لا يدري؟!

طبعا، هذا المعلن له، أما المبطن عندي فهو شغف الاكتشاف..

سلمته الورقتين، وقلت: “عليك إخفائهما فالرياح قوية هذا المساء”.

رفع رأسه لومضة، شكرني.. وعاد لقرعه.

إنتظرت زهاء نصف ساعة، حتى يتم عزفه، وشطحت بي الأفكار، هل هي عاشقة لشخصه، أم لفنّه؟ ورجّحت الثانية.. فكم من بائس أوروبي موهوب تم انتشال موهبته من على قارعة الطريق، ليغدو فنانا عالميا بعدها، والسيدة بدت لي أرستقراطية الذوق، فقد تكون منتجة أو مخرجة أو متعهدة حفلات، من يدري؟!

طال انتظاري وبي رغبة أن أسئله عمره، وعمر موهبته، منشأه، طموحه، وغيرها من الأسئلة الصحفية التي تأبى أن تأخذ إجازة وأنا في أيام عطالتي السنوية.

بعد أن عيل صبري الذي لا أحمل منه إلاّ اسمي، تقدمت منه، وقلت: “سيدي.. أنا صحفي أنتظر انتهائك، فلي بعض الأسئلة لك.. لو سمحت”.

رفع رأسه ناحيتي للمرة الثانية، وابتسم، وكأنه تذكّر أني من أن أنقذت ورقته النقدية من الضياع أو السرقة، وقال بلامبالاة: “أنا أشتغل الآن سيدي”.

دهشت للمرة الثانية يومها، وحملت دفتري وقلمي، وكتبت بعد أن تركته أو بالأحرى تركني غير آسف عليّ (فنان على قارعة الطريق تأتيه الشهرة، مرتين في يوم واحد، فيأبى ويستكبر، كبرا وشهامة لفنه الذي يوزّعه لكلّ الناس، لا لخاصة الناس، هي بوهيمية مرسيليا)!

17