فنان فرنسي يُصمم ماكينات الفُكاهة والكتابة

أكزافية أنتين يصنع مجموعة من الآلات تتحدث مع بعضها البعض عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعيّ كي تنتج نصوصاً تحركها علاقة الزوار مع كل آلة.
الأحد 2020/02/23
الآلات تتواصل في ما بينها لتنتج النصوص والخطابات عبر الذكاء الاصطناعي

يعمل الفرنسي أكزافية أنتين على صناعة “آلات” تنتج نصوصاً ولوحات تبدو للوهلة الأولى مُضحكة، أو مثيرة للسخرية، وكأن لا وظيفة “منطقيّة” لها، لذا يصنّفها تحت خانة منحوتات وتجهيزات، يدخل في تكوينها الطابعات والماسحات الضوئيّة لاكتشاف الأشكال السردية والفنية التي يمكن أن تحويها سواء عبر برمجتها مسبقاً أو ترتيبها في الفضاء، ما يجعلُ جهده الفنيّ يتوزع على مرحلتين، الأولى هي تكوين المنحوتة/ الآلة، والثانيّة هي ما يمكن أن ينتج عنها من أشكال لا تتدخل فيها اليد البشريّة.

تستضيف صالة مركز الفن المعاصر في ضاحية باريس بروتاني معرضاً بعنوان “الحائكون” الناتج عن تعاون بين أنتين صانع الآلات، وبين المبرمج جوليان جاسود ومؤرخة الفنّ كامي بيغارد.

العمل المشترك بين الثلاثة هدفه إعادة النظر في الآلات التي يصممها أنتين عبر تحريرها من الوظيفة الواحدة، إذ تم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعيّ، وخلق قاعدة بيانات فنيّة وسرديّة من أجل أن “تتحدث” المنحوتات مع بعضها البعض، كي تنتج طوال فترة المعرض نصوصاً تحركها علاقة الزوار مع كل منحوتة/ آلة، لنرى أنفسنا أمام تجربة جماليّةَ لا تنتهي بمجرد الانتهاء من مُشاهدتها، بل تستمر في الزمن لتُنتج نصوصاً تُسائل مفاهيم المؤلف والإبداع، الأهم أن النصوص التي ستنتج عن المعرض ستطبع لاحقاً ويتم جمعها ضمن كتاب.

جرس ما بعد الحداثة .. منحوتة ذات دلالة رمزية
جرس ما بعد الحداثة .. منحوتة ذات دلالة رمزية

يحيلنا اسم المعرض إلى العاملين في صناعة النسيج في المشاغل والاستغلال الذي كان عاملاً هاماً في الثورة الصناعيّة، فـ”الآلات” كانت جزءا من سعي إنسانيّ في سبيل تحسين المجتمع وتطوره، وتختزن أيضاً داخلها نضالاً طبقياً بسبب وظيفتها التي تقوم بها وعلاقتها المباشرة مع جسد العامل، في ذات الوقت يحيل الاسم إلى طائر “النسّاج” الذي يعيش في جماعات وقادر على “حياكة” أعشاش شديدة التعقيد، ومن هذين المعنيين تظهر الآلات بوصفها “كتلًا عُضويّة مُزيفة”، تعمل عوضاً عن البشر، و”تنتج” وتتحاور مع بعضها البعض بسبب الذكاء الاصطناعيّ، والنصوص التي تتحرك ضمنها، كما في عمل تجهيز الذي أنجزه أنتين مسبقاً بعنوان “على الوقت أو تاريخ موجز للإنتاج” والذي نرى فيه أربع ماكينات طباعة، الأولى يعود تاريخها إلى عام 1880 والأخيرة تنتمي إلى أحدث النماذج التي تعتمد الطباعة الليزرية.

التجهيز نشأ عنه مسبقاً كتاب يحمل ذات اسم عمل التجهيز، نكتشف فيه تاريخ التطور التقنيّ للطباعة، والأهم اختلاف النوعيّة والجهد المبذول لإنتاج الصفحة التي كانت تحتاج بداية عمالاً لإنتاجها وجهدا عضلياً ما لبث أن تلاشى مع التطور التقنيّ وأصبح الأمر لا يتجاوز لمسة على شاشة لطباعة صفحة.

خلايا لاعضويّة

المنحوتات السبع التي أنجزها أنتين خصيصاً للمعرض، تطرح سؤالاً فلسفياً ونقدياً مرتبطا بالمؤلف وتعريفه، فكل واحدة منها تمتلك برمجتها الخاصة ونصوصاً مختلفة من تاريخ الفن والنقد تربطها علاقات منطقية، كالفواصل وعلامات الترقيم، فالذكاء الاصطناعيّ علّم الآلات بداية الفرنسيّة، ثم دفعها لإنتاج نصوص “ذات معنى”، فهي تقتبس وتوافق وترفض، تستعيد نصوصاً وتعيد كتابة أخرى، فمكونات الجهد الكتابي “الذاكرة، النص، التدوين” حاضرة لدى هذه الآلات، لكن هل نستطيع أن نقول إنها “تؤلّف”؟ خصوصاً أنها تحوي حساسات تتعلق بالمكان والحرارة والرطوبة والحركة كي تختبر المكان ومن حولها، أي ما يشبه جسداً بشرياً، كالمنحوتة التي تتألف من وشائع مختلفة الأشكال تلتقط الحركة من حولها وتترجمها إلى تعليمات منطقيّة ونصيّة، وكأننا أمام قرين آلي لحواسنا، قادر على إدراك الحركة وفهمها.

أدوات استشعار للحركة أشبه بالأذن الوسطى
أدوات استشعار للحركة أشبه بالأذن الوسطى

 تتيح لنا نافذة تطل على شاشة أن نشاهد كيف تتحدث الآلات مع بعضها البعض، هي تبدو للوهلة الأولى بدائيّة، لكنها تطور لغتها وحساسيتها للمكان كلما عملت أكثر، هي تعلّم ذاتها، وهذا ما لا نراه بصورة كاملة، وهنا تظهر الخصائص المعرفية التي تسعى المنحوتات لمسائلتها، إذ لا نرى آثار الخبرة المعرفيّة واضحة على الشكل الخارجي للآلات، بل تتضح فقط في المنتج النهائي، كما في منحوتة تحوي جرساً يمكن لنا لمسه أو “رنّه” ليلتقط حساس اهتزازاته ويترجمها إلى “لغة”، ما يعني أن مفهوم المؤلف يتجاوز التكوين العضوي الذي يتبناه البشر ويدافعون عنه، بل هو نشاط “معرفيّ” متغير دوماً، لا صيغة ثابتة له، يرتبط بالنص والذاكرة والخبرة الحسيّة وأسلوب التنقل ضمن مجموعة من العلاقات، التي يمكن أن تحصل خارج دماغ الإنسان الواعي.

ما بعد الإنسان

يشير المعرض إلى واحد من أشهر نصوص نظريات ما بعد الإنسانويّة، وهو “مانيفستو السايبورغ” للأميركية دونا هاروي، والذي تعيد فيه النظر في العلاقة بين الآلة والإنسان، واحتكار التكوينات البيولوجيّة البشرية لمفهوم الوعي، والقدرة على إنتاج المعرفة واستهلاكها، لتأتي منحوتات أنتين في هذا السياق، ككتلة واحدة أشبه بمجموعة من الخلايا اللاعضويّة التي تتفاعل مع بعضها البعض ومع المحيط، لإنتاج “نص” بعد هذه التفاعلات. وهنا يبرز السؤال، لماذا نعتبر ما ينتجه البشر فناً، في حين أن ما يشببه مما تنتجه الآلات لا يمتلك هذه الصفة؟ علماً أن الأمر لا يتعلق بالمهارة، كون المنتجات الثقافيّة لا تصبح فناً أو أدباً إلا بعد أن نالت هذا الامتياز من قبل المؤسسة بغض النظر عن إتقان صناعتها.

جلد لاعضوي لالتقاط الرطوبة
جلد لاعضوي لالتقاط الرطوبة

المنحوتات ككل أشبه بخط إنتاج يقوم بعمليات معرفية غير مرئيّة كالتأليف، والاقتباس، والحوار لمساءلة التعريفات الإنسانويّة لهذه العمليات الخفيّة لدى البشر والآلات على حد سواء، بالتالي لم يحتكر البشر فقط القدرة على إنتاج “الفنّ” بصورة أدق، لم يحتكر البشر الوظيفة “المعرفيّة” وتعريفها كنتاج مكوناتهم الفيزيولوجيّة، علماً أن الآلات تقوم بذات الأمر، دون الحاجة إلى المكونات الكربونيّة والبروتينيّة التي تعتبر جوهر البشر.

قام الفريق في اختبار لمفهوم “اللغة” البشريّة بخلق أبجديّة خاصة، وعلامات ترقيم مستمدة من تاريخ الكتابة منذ القرن السادس عشر حتى الآن، هذه الأبجديّة لا تختلف عما نعرفه شكلاً، لكنها ليست فقط رموزاً صوتيّة تتاليها يكوّن كلمات، بل هي أشكال من التشفير الرقميّ التي تختزن داخلها علاقات مع نصوص أخرى، وهذا ما يمكن اعتباره صداً لبعض النظريات النقديّة التي ترى في النص خزانا لنصوص وعلامات لا نصية، كما نرى واحدة من المنحوتات التي  يتحرك ضمنها الهواء ويتحول إلى نص لاحقاً “تفهمه” الآلات الأخرى بناء على ذات الأبجديّة، التي تمتلك معاني يدركها الذكاء الاصطناعيّ فقط كونه شكّل علاقات بين النصوص المشفّرة تتجاوز إدراكنا التقليديّ لها.

Thumbnail
14