فنان لبناني يسترجع بيروت عبر نافذة سينمائية غابرة

صلاح صولي يشكل أعمالا أنطولوجية عن لبنان ما بين الحرب والسلم في معرض تحت عنوان "حيوات السيد سعيد السبع".
الجمعة 2018/08/17
بيروت ما بين التوثيق والبصيرة الفنية

تقدم صالة “أجيال” الفنية في بيروت معرضا للفنان اللبناني متعدد الوسائط صلاح صولي تحت عنوان “حيوات السيد سعيد السبع”، عنوان مشوّق يشي بمزاج الفنان الذي مال منذ بداياته الفنية إلى مسألة الاستعادة والتوثيق البصري لملامح الحياة خلال الحرب اللبنانية التي لم تلق وزرها إلى الآن، ممّا ساهم في شدّ أواصر خاصية التذكّر والذكرى كمحاولة لاستيعاب ما جرى ولا يزال يجري إلى اليوم

بيروت – يواصل الفنان المتنقل ما بين برلين ولبنان صلاح صولي، منذ أن هاجر إلى ألمانيا في منتصف الثمانينات من القرن الفائت لاستكمال دراسته الفنية، مهمة الغزل ما بين الحاضر والماضي في محاولة نسج رداء متماسك يستطيع أي لبناني ارتداءه والاعتراف به كلباس تراثي يعود تاريخه إلى منتصف الستينات من القرن الماضي وصولا، ربما، إلى سنوات التسعينات.

ويجب لفت النظر إلى التهميش الذي يتناول به الفنان الحاضر المباشر مثله مثل العديد من الفنانين الذين ينتمون إلى جيله، والذين انشغلت أعمالهم الفنية بالحرب اللبنانية في وقائعها وآثارها و”فانتازماتها” التي لا حدود لها، وفي حين يكتسب الماضي في أعمال الفنان اللبناني مفهوما واقعيا ومنطقيا مهما بلغت عبثيته، وهو الذي له الآلاف من الصور التي عكف على البحث والتنقيب عنها حتى العثور عليها

والمُشاركة بها مع جمهوره اللبناني والعالمي، وله، أي الماضي، التجليات البصرية المرتبطة بالأمكنة التي دلت عليه، بقي الحاضر رثا ومجرد تصريف شؤون حياة فقدت بريقها، لأنها فقدت بوصلتها بكل معاييرها الدلالية.

يقوم موضوع التجهيز الفني الذي قدّمه صلاح صولي مؤخرا في صالة “أجيال” البيروتية والمعنون بـ”حيوات السيد سعيد السبع” على عرض صور فوتوغرافية قديمة أخذت لصالات السينما اللبنانية التي كانت في غاية الأهمية منذ بدايات الستينات من القرن الماضي وصولا إلى آخر فترة الثمانينات، ومنها صالات فُقدت نهائيا أو تحوّلت اليوم إلى أماكن تجارية.

ويحتوي المعرض أيضا على أعمال فنية لصلاح صولي جمعت ما بين الرسم والفوتوغرافيا على خلفية فكرية متصلة بما شاهده الزائر في الصالة، كما يضم المعرض أكثر من فيلم قصير قام بعملية توليفه الفنان على خلفية التكثيف المطلوب منه أن يعطي أكبر قدر ممكن من المعلومات وأصدق المعاني المختبئة خلف المشاهد السينمائية في فترة قصيرة جدا.

وأورد الفنان مقتطفات مكثفة من مجموعة مقابلات طويلة أجراها مع بطل المعرض وهو “السيد سعيد”، والسيد سعيد هو شخصية لبنانية نافذة برزت خلال بدايات الحرب اللبنانية، ليس فقط لأنها مدخل غير مباشر إلى الأجواء الحقيقية التي سادت بيروت في فترة الثمانينات من القرن العشرين، أي في عزّ الحرب اللبنانية، بل لسببين آخرين.

أولا، لأن السيد سعيد هو منتج أفلام سينمائية نقلت بدرجة عالية من الصدق هيئات الناس والشوارع والمناخ السائد في تلك الفترة من الزمن، وهو الذي بات يعيش حاليا في إحدى المناطق الشعبية ويملك مقهى بسيطا والمئات من الذكريات عن حقبة مرّت ولم تغادره ولا يزال يجد لها أصداء في الحاضر.

موضوع التجهيز الفني الذي يقدمه صولي يعتمد التوثيق متداخل الأبعاد ليسرد فصلا من فصول بيروت الثمانينات

أما السبب الثاني الذي يجعل من منتج تلك الأفلام اللبنانية مثيرا للاهتمام، فهو لأنه شخصية مُلتبسة ومُعقدة البيان وتحيلنا في ذلك إلى “اللبناني” بامتياز الذي يمتلك عدة حيوات في آن واحد، وعدة شخصيات “ينتحلها” حسب الظروف، وعدة اهتمامات في الآن ذاته، إضافة إلى نزعة الاعتزاز بالنفس التي لا تفارقه إلاّ لتعود إليه من جديد، وقد ساهمت الحرب في بلورة إفراز هذا “النوع” من الشخصيات، وهكذا أصبحت لمعرض الفنان صلاح صولي نكهة أنطولوجية، إن جاز التعبير، لا تنفك  تعيدنا إلى أصولها.

يقدّم التجهيز الفني السيد سعيد من خلال عدة جوانب لصيقة بحياته، فهو المغامر المُحب للرياضة، وتاجر الثياب، والحارس الشخصي لشخصيات سياسية، والمُقاتل، وتاجر الأسلحة ومنتج لأفلام سينمائية غزتها المغامرات القتالية والبطولات وعاش من خلالها حياته الافتراضية بعد أن تخلى عمّا كان يعيشه على أرض الواقع.

يقول السيد سعيد في إحدى المقابلات التي سجلها له الفنان صلاح صولي “في سنة 1980 مرت البلاد بفترة شهدت بعض الهدوء على الصعيد الأمني.. حقّقنا الفيلم المعروف باسم ‘نساء في خطر’ وجرى التصوير في لبنان واليونان بمساعدة عناصر تمثيلية معروفة، انتهينا من الفيلم ورجعنا ثانية للاتفاق على فيلم يخرجه سمير الغصيني من بطولة أنطوان كرباج، بالاشتراك مع ابني وسام.. أعطيت السينما في لبنان كل جهدي، لكي أرفع من شأن غيري، وعندما أنتجت ‘المغامرون’ قالوا عني إنني مجنون، لكني صممت على رفع مستوى السينما اللبنانية، ولولاي لما تشجع الآخرون على إنتاج 7 أو 8 أفلام في غضون سنتين”.

لا يخرج معرض صلاح صولي عن باقي معارضه التي تتعاطى مع التوثيق والصور الأرشيفية بشغف وحساسية فنية عالية في محاولة دائمة منه لالتقاط لقطات عابرة، لكنها لا تخلو من مصداقية كبيرة لا تتعارض بدورها مع فنية التقديم والتوليف، لذلك تبدو أعماله في مجملها مؤثرة في وجدان أبناء جيله خاصة الذين يعرفون تماما ماذا يعني أن تكون هنا وهناك، موجودا وغير موجود، حالما وفي الآن ذاته راسخا في حقول الطين الواقعية.

ويبقى الفنان اللبناني وفيا إلى “الصورة الفوتوغرافية”، و”الفيديو التوثيقي” في زمن اهتزاز مصداقية الصورة، وقد قدّم مؤخرا عبر هذه المصداقية والوقائع المسجلة قصة “السيد سعيد” التي غلفتها قصة أخرى، أو فصل من فصول حكاية الفنان صلاح صولي مع البحث عن الذاكرة، والتفاعل مع الحنين، والإشهار بحب مدينة لا يزال اسمها بيروت.

17