فنان لبناني يعيد إحياء فصول الكذب جماليا

الفنان اللبناني بيترام شلش منح لمعرضه الأخير في غاليري “كيد” بلبنان العنوان نفسه الذي أعطاه أوسكار وايلد لمؤلفه “اضمحلال الكذب”، طارحا أكثر من سؤال حول ماهية الفن ودوره في عالم متحوّل.
الجمعة 2018/08/31
لا شيء ثابتا.. الكل متحوّل

بيروت – قدّم مؤخرا الفنان اللبناني المتعدد الوسائط بيترام شلش معرضا فنيا في غاليري “كيد” البيروتي تبنى فيه دور الفنان الذي لفت النظر إلى أزمة ماهية الحقيقة في زمن وصف بأنه واقع ما بعد الحقيقة.

زائر معرضه لن يخرج وقد حصل على احتمالات أجوبة عن أسئلة تتعلق بدور الفن في هكذا زمن ولا عن معنى “الحقيقة المُطلقة”، بل سيغادر معرضه وقد راوده سؤال إضافي حول الفنان بيترام شلش: ما هو موقفه ممّا يتناوله في معرضه؟ هل هو يستسيغ فكرة “جمالية” الكذب المتعدد الأطياف الذي عكف ببراعة وجرأة فنية على تصوير فصوله؟ أم هو يقدّم مجرد عرض عشوائي لآلية القراءات الشخصية لشتى أنواع الظواهر والحوادث، وهذا من خلال استحضاره لأعمال فنية عالمية عكف شلش على ترجمتها بصريا في لوحاته بشكل خلاّق ومختلف تماما؟

ما ضاعف من عمق هذه التساؤلات هو أن الفنان الذي تناول هذه الأثار الفنية مُحوّرا عناصر عدد من اللوحات العالمية، مع الإشارة المباشرة إليها من خلال إعطائه لأعماله المعروضة عناوين تلك اللوحات، هو أن شلش اعتمد في بناء منطق نصه الفني الشائك على مؤلف الكتب الشاعر والصحافي أوسكار وايلد الذي لم يرحمه مُجتمعه بسبب أفكاره الثورية حول الفن وفضحه للرياء الاجتماعي.

وأعطى الفنان بيترام شلش لمعرضه نفس العنوان الذي أعطاه أوسكار وايلد لمؤلفه، وهو “اضمحلال الكذب”، والمؤلف يضم مجموعة نصوص لا تخلو من التناقض حول ماهية الفن والرغبة في تقويض صورة مجتمع لم ينصفه ولم يدعه يعيش بسلام.

شلش يجعل الأشكال الأكثر صلابة تبدو وكأنها تسيل على نار حامية
شلش يجعل الأشكال الأكثر صلابة تبدو وكأنها تسيل على نار حامية

من ناحية استخدم أوسكار وايلد بذكاء معطيات كثيرة من التاريخ البشري/ الفني، ومن ناحية ثانية حوّل أثارا وأفكارا تتعلق بمجتمعه إلى سلاح ضده وضد كل ما يجسده، وإن كان أوسكار وايلد قد بالغ في بعض أرائه الأساسية لا سيما التي تقول بأن الحياة هي مرآة للفن وليس العكس، فإن الفنان اللبناني بيترام شلش أصاب في هزه لبنيان فكرة “المتعارف عليه” أو ما يُسمى من منظور معاصر “بالحقيقة الصادقة”، من خلال إتاحته الفرصة لزوّار معرضه بأن يقوّضوا القراءة التاريخية لأعمال فنية مُكرسة عبر منحهم فرصة لقراءة شخصية لها مبنية على تباين خلفياتهم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

وإذا كان زمن أوسكار وايلد هو زمن الرياء، فزمن بيترام شلش هو زمن تبجيل اللامعنى، واهتراء القيم الإنسانية بفعل ادعاءات مُبتذلة تصر على أنها تريد بالآخر خيرا وتقيم معه حوارا بناء، هذا ما شكل بيئة خصبة لتترعرع فيها أفكار الفنان بيترام شلش حول الزيف وضياع المركزية وفقدان أي بوصلة قد تصوّب أي اتجاه فكري أو عملي كان.

هكذا، ومن خلال معرضه الذي ضم لوحات وأعمالا نحتية بالسيراميك أعاد الفنان اللبناني تسليط الضوء على صعوبة، لا بل على استحالة القبض على ماهية الحقيقة الواحدة، وذلك لتفشيها في ملامح متكاثرة نمت في حقل الوعي البشري لتأخذ شكل نبتة واحدة لها ثلاث ثمرات مُتباينة، ثمرات هي بحد ذاتها بذور تتحضر لينمو منها عدد متعاظم من نسخ/ ثمرات مُتناقضة أًخرى.

وإذا كان الطرح الذي يقدّمه الفنان بترام شلش له أنداد في التاريخ الفني القريب، فهو اليوم أكثر أهمية وحضورا وإلحاحا، لأنه يمس بشكل مصيري جميع المفاصل الحيوية التي تؤثر على كيفية عيشنا في عالم ينوء تحت حمل النسخات المختلفة والمُتناقضة ودائمة التحوّل للمعاني وللحقائق.

بيترام شلش من زمن تبجيل اللامعنى
بيترام شلش من زمن تبجيل اللامعنى

ومن خلال معرض قالبه تشكيلي/ نحتي وداخله مفهومي وفلسفي دفعنا الفنان الشاب بيترام شلش إلى التفكير في أمرين، الأمر الأول التفكير في دور الميديا كوسيط معرفي تتعاظم في تجويفه المعاني وتتزعزع فيه الحقائق ومنها ما يتعلق على سبيل المثال وليس الحصر بتشويش الحدود التي تفصل بشكل ما بين تعبير شهيد وقتيل، ومجرم وضحية، وإرهاب ودفاع عن النفس.

أما الأمر الثاني الذي طرحه الفنان في معرضه وإن بشكل غير مباشر، فهو محاولة لاستقراء مفهوم الجمال والقبح في اللوحات الشهيرة عالميا وتباعا في الواقع المعيش.

وفي خضم المعرض المفهومي الذي قدّمه شلش يبرز أمر آخر لا يتعلق بمضمون ومعنى الأعمال، بل يتعلق بحس الجرأة الفنية التي يملكها الفنان في اختيار الألوان وتحوير معالم اللوحات العالمية إلى صيغ جديدة جذابة فيها الكثير من الغرائبية. أبدع بيترام شلش في استخدام الألوان المتنافرة وإدخال ألوان “صناعية” استطاعت أن تجد لها حياة تليق بها في صلب طيات وتلافيف ألوان أخرى هي ترابية و”عاقلة” لا تريد أي ثورة على الموروث.

وبعيدا عن البراعة التلوينية عند الفنان نصل إلى تشكيل، لا بل تطويع الأشكال في لوحاته وفي مجسماته النحتية على السواء، فشلش يملك موهبة في جعل الأشكال الأكثر صلابة تبدو وكأنها تسيل على نار حامية، ممّا يدعم فكرته عن عالم متحوّل لا يستقر على حال.

ولا شك أن أعمال الفنان تقف قائمة بذاتها وليست بحاجة لأن تكون ترجمة خاصة للأعمال الأخرى، وهي بقرارتها وبمظهرها استطاعت أن تقدّم أفكارا عن التحوّل، والاهتراء، والرياء بتصوّر فني خاص يشي بمستقبل فني واعد لبيترام شلش.

بيترام شلش يقوّض القراءة التاريخية لأعمال فنية مُكرسة
 بيترام شلش يقوّض القراءة التاريخية لأعمال فنية مُكرسة

 

17