فنان مصري يجيد اللعب في المنطقة الرمادية

في شخصية "الريّس حربي" تبدو على الممثل عمرو عبدالجليل ملامح واضحة للمدرسة الفنية الأولى التي تعلم فيها، وهي مدرسة المخرج الراحل يوسف شاهين.
الثلاثاء 2018/09/04
ممثل يتقن التراجيديا كما الكوميديا

يسير الممثل المصري عمرو عبدالجليل في طريقه الفني، بعيدا عن الطموحات والأحلام والشغف بالنجومية والشهرة والمنافسة والبطولات والعلاقات التي يسعى إليها أغلب نجوم الفن، ويعتمد فقط على قدرته في التمثيل بإتقان، في هذا الطريق امتنع عن السير خلف الفرص والأدوار، وقرّر التحرك بحرية ليتمكن من فك طلاسمها والتعبير عن مكنوناتها بإجادة وسلاسة وإقناع.

القاهرة – يشاهد عشاق الفن السابع حاليا الممثل المصري عمرو عبدالجليل في شخصية المعلم “خرطوش” البلطجي في فيلم “سوق الجمعة”، وهو واحد من أكبر الأسواق الشعبية في القاهرة، يفرض سطوته على الجميع  ويمارس كل ما هو غير قانوني من أجل المال.

وينغمس العمل في تفاصيل واقع الطبقات الدنيا في مصر، ويستعرض جزءا من عوالم المهمشين برؤية سينمائية، فيها الكثير من الكوميديا، رغم قتامة الفكرة.

ويفسر عمرو عبدالجليل ذلك لـ”العرب”، قائلا “الناس في مصر في لحظة مهمومة لأسباب متعددة، والصدق يقتضي أن نعرض مشاكلهم بكل أمانة، مع مزجها بالكوميديا، لعلنا نتمكن من إضافة لمسة سعادة على أيامهم، وهو فكر سينمائي يحسب للمؤلفين محمد الطحاوي وأحمد عادل سلطان والمخرج سامح عبدالعزيز، ثالوث فيلم ‘سوق الجمعة'”.

ويشرح وجهة نظره عن مسؤولية مؤلف ومخرج أي عمل عنه بصورة كاملة، ويقول “أستمتع عندما يعرض عليّ نص أشعر أن كاتبه ومخرجه استجمعا كل قواهما وقدراتهما فيه، لذا ألتزم بكل ما يكتب وما يوافق رؤية المخرج، إلاّ أن هذا لا يعني أنني في أوقات أخرى أكون في حاجة للخروج عن النص أو الإضافة إليه، بعد مناقشة المخرج والكاتب وتبادل الآراء معهما”.

الإبداع والورق

يشير عبدالجليل إلى أنه من الضروري أن يحظى المؤلفون والمخرجون بالاحترام اللازم للطريقة التي يديرون بها العمل، لأن الإبداع مرتبط بالورق (المضمون) والمخرج، لأنه في عالم الفن ليس أكثر من ممثل يؤدي أفضل ما لديه في كل دور.

وبرع عبدالجليل بالفعل في رمضان الماضي في دور “الريّس حربي”، تاجر الآثار الدموي في مسلسل “طايع”، وهو الذي لا يحب أحدا في هذه الدنيا إلاّ أبناءه الخمسة، وحقّق في هذا العمل نجاحا لافتا.

ويوضح لـ”العرب” “في مسلسل ‘طايع‘ الورق كان غنيا جدا بالمشاعر والأحاسيس والأفكار، والمخرج عمرو سلامة كان رائعا في توجيهاته ورؤيته للعمل وكنت مطيعا جدا معه، وقلت له منذ اللحظة الأولى ‘إنني أمانة في يديك، ودخلت التصوير دون أن أقرأ العمل كاملا'”.

مسلسل "طايع" يمثل بداية جديدة لعبدالجليل الذي لم يحالفه التوفيق لسنوات طوال

ويؤكد أنه مدين بشكر عميق لعمرو سلامة، لأنه رآه في مكان فني لم يره أحد فيه من قبل، و”أي مخرج غيره لم يكن ليعرض عليّ دور حربي البعيد تماما عن الكوميديا، لذا ممتن جدا لأنه تصوّرني في هذا الدور من البداية”.

ومن متابعة أداء عبدالجليل في شخصية “الريّس حربي” تبدو عليه ملامح واضحة للمدرسة الفنية الأولى التي تعلم فيها، وهي مدرسة المخرج الراحل يوسف شاهين والذي قدّم معه ثلاثة أفلام، هي “إسكندرية كمان وكمان” و”المهاجر” و”هي فوضى”.

وتألق عمرو عبدالجليل في التعبير عن معظم المشاهد بالعين، وهي وسيلة التعبير المفضلة لدى شاهين، ويقول عنه عبدالجليل “أول مخرج عملت معه وكل ما في الفن تعلمته منه، وما استقيته من تعليم معه يظهر في جميع أعمالي بصور مختلفة، ورأيته في عيني ‘الريّس حربي’ وأنا أشاهد العمل وليس خلال التمثيل، لأن هذه الأمور تخرج تلقائية دون ترتيب، وهذا العملاق كان وسيظل مدرستي الأهم”.

خطوتان إلى الأمام

“سوق الجمعة” فيلم ثقيل فنيا سبقه مسلسل ناجح للغاية فنيا وجماهيريا “طايع”، عملان رأى الكثيرون أنهما يمثلان بداية جديدة من بدايات متعددة خاضها عمرو عبدالجليل الذي صادفه عدم توفيق كبير لسنوات طويلة بعد عرض فيلم “إسكندرية كمان وكمان”، ولم يتح له دور هام يمثل خطوة دافعة بعد البداية القوية، لكنه لم ييأس من مواصلة المحاولات.

وأتيحت لعبدالجليل في العام 2007 بداية جديدة مع المخرج خالد يوسف، الذي كان أول من وثق في قدراته الكوميدية، ومنحه الفرصة لتقديمها بمفرداتها المتميزة في أفلام “حين ميسرة” و”دكان شحاته” ثم “كلمني شكرا”، وتلاهم فيلما “صرخة نملة” ثم “سعيد كلاكيت”، والأخيران لم يجدا صدى سينمائيا كبيرا.

ورغم التراجع خطوات إلى الخلف مع هذين الفيلمين ثم العودة القوية مع أحدث عملين له، فإن عمرو ينفي امتلاكه مشاريع لخطوات فنية تالية، ويؤكد لـ”العرب” “لا أملك رفاهية التخطيط أو الحلم بعمل معين وغير منشغل من الأساس بهذه الأمور، فعندما لا أعمل لا أفكر في أي شيء، طالما ليس لديّ عرض فعلي بشأنه، وأفضل أن أحلم بالمتاح من الأدوار، لأنني باستمرار أنتظر ما يعرض عليّ ولا أسعى وراء أحد، والحمد لله أُطلب للعمل على أساس حرفيتي وطريقة أدائي وهذا يرضيني فنيا”.

ويضيف بنبرة حماسية “أجري داخل الدور وليس وراءه، الأمر الذي لم يظلمني فنيا كما يتصوّر البعض، فميزة أن يختارني مخرج بناء على شغلي وليس باعتباري صديقه أو دمي خفيف على قلبه، هو ما يمكن أن يقلل ثقتي في نفسي وموهبتي”.

ويستطرد في أفكاره الفنية والإنسانية شديدة الخصوصية، متطرقا لإمكانية لحاقه بقطار البطولات التلفزيونية المطلقة والتي سبقه فيها النجمان ياسر جلال وطارق لطفي، لا سيما وأن فرصة البطولة أتيحت له أكثر من مرة سينمائيا.

ويشدّد عمرو لـ”العرب”، على أنه لا يؤمن بهذه المسميات، وليس معنيا بمن يطلقوها، فالبطولة في أي عمل فني للجميع، من صاحب أكبر دور إلى صاحب المشهد الواحد فيه، ويقول “نحن أمام الشاشات نمثل فريقا جماعيا كل في مركزه، وعلينا الاجتهاد والتجويد والإتقان ليكون كل ممثل هو الشخصية المكتوبة وليس مجرد شبيه لها”.

ووسط عالم سينمائي تُقدر قيمة النجوم داخله بالإيرادات التي تجلبها أعمالهم، يظل عمرو في المنطقة الرمادية التي لا تضعه في المقدّمة، لكن تسمح له بالاستمرار وتقديم أعمال ذات ميزانيات متوسطة تغطي تكاليفها، وعرضها تلفزيونيا قد يحقّق الصدى الجماهيري الذي تفقده في السينما.

وهنا يقول عبدالجليل “كثيرون يعتبرون العائدات المادية الوسيلة الوحيدة لتقييم أي فنان، لكنني لا أعتبرها كذلك، لأن نجاح العمل الفني مرتبط بعرضه في التلفزيون بعيدا عن دعاية السينما والمنافسات والإيرادات، ويأتي العمل للمشاهدين مجانا في بيوتهم وفي أيديهم الريموت، فإذا بدّلوا القناة المعروض عليها يكون قد فشل، خاصة عند عرضه لثاني مرة، فالمرة الأولى تكون المتابعة بها شغف لمعرفة المضمون، وفي الثانية يكون الاستمتاع، وإذا وجدوا ما يمتعهم فقد كتبت له شهادة حياة فنية”.

ولا يكترث عمرو بمتابعة الحركة الفنية عن كثب، ويكتفي بإمتاع نفسه كمشاهد مع أعمال الأبيض والأسود القديمة التي يعشقها، ولا يؤرقه أن يصبح عنصرا فاعلا في المهرجانات والمحافل الفنية، ولا يستسيغ التنافس بأي صورة مع زملائه، ويعتبر ذلك مضيعة للوقت، ويرى أن تركيزه على ذاته أجدى.

وعن مصادر ثقافته ووسائل تطوير نفسه كممثل، قال لـ”العرب” “أهم ما في حياة الممثل أن يلتصق بمجتمعه وشخوصه ويستطيع تجسيدهم على الشاشة بوعي وصدق، ويأتي الصدق تلقائيا من هضم الشخصية بعد دراسة تفاصيلها وأبعادها والوصول لأبسط الطرق للتعبير عنها، والعثور على مفاتيحها الدرامية، سواء كانت كوميديا أو تراجيديا”.

وفي نظر عمرو عبدالجليل أن أجمل ما يمكن أن يحصده الفنان هو حب الناس له ولأعماله، فهذه هي النجومية الحقيقية التي تجعله يشعر أنه يسير في الطريق الصحيح الذي يذهب فيه للأستوديوهات عندما يُطلب، ثم يعود لبيته حتى تأتيه عروض أخرى ولا يشغله متى تأتي، فهو يترك كل شيء لله.

16