فنان مصري يشكل لوحاته من الأحجار والخيوط الملونة

الفنان التشكيلي المصري عبدالسلام عيد يستعين بنفايات المصانع والورش، حيث يتولى استجلاء أوجه الجمال فيها، حتى يخرج بمنتج فني وليد مصالحة بين الفن والتكنولوجيا.
الجمعة 2018/11/16
حس جداري لا تخطئه العين

القاهرة - يستخدم الفنان التشكيلي المصري عبدالسلام عيد عادة خبـرات التصوير والنحت والحـفر والكولاج، مستعينا في ذلك بالكثير من نفايات المصانع والورش، حيث يتولى استجلاء أوجه الجمال فيها، محاولا إعادة صوغ وتركيب هذه النفايات والتنسيق بينها، حتى يخرج إلينا في النهاية بمنتج فني هو وليد مصالحة موفـقة بين الفن والتكنولوجيا.

الألوان التي يستخدمها عيد ليست هي تلك الخامة الرقيقة من علب الطباشير أو أنابيب الغواش والزيت التقـليدية، فهو يبحث عن الخامة واللون بعيدا عن كل تلك الخامات التقليدية المتعارف عليها، فقد تعامل هذا الفنان مع أطياف التعبير الفني: التصوير والرسم والكولاج والنحت والغرافيك بأنواعه والفوتوغرافيا واللوحات الجدارية والعمارة والعمل الفني المركب في الفضاء والفنون الزخرفية بأنواعها المختلفة، كما تعامل مع برامج الإضاءة والحركة في مجسماته وتراكيبه المعمارية ذات الطابع المستقبلي، ومن الناحية الأسلوبية فهو رسام ومصور واقعي متمكن، لا يخلو من الشاعرية والرومانسية وحسن التكوين وطرافته.

ومن اللافت في آخر إنجازاته التشكيلية التي عرضت مؤخرا بقاعة “إبداع للفنون” في القاهرة والمعنونة بـ”مختارات” أنها تحمل حسا جداريا لا تخطئه العين، إذ استخدم فيها نفس الخامات والوسائل التي يستخدمها عادة في أعماله الجدارية الكبيرة.

عبدالسلام عيد: الجدارية تقدم شرائح ميكروسكوبية رمزية للتفاعلات الإنسانية
عبدالسلام عيد: الجدارية تقدم شرائح ميكروسكوبية رمزية للتفاعلات الإنسانية

وعن تأثره هذا بالعمل الجداري، يرى عيد أن الجدارية يمكنها أن تقدم شرائح ميكروسكوبية رمزية تشكيلية للتفاعلات الإنسانية، فهي تحوّل فضاء المرافق العامة إلى مساحات تشكيلية ولونية مليئة بالحياة والبهجة، وتحمل أحلام ورؤى وأفكار المتلقي ما يجعله يعيد اكتشاف العالم والآخرين من حوله، كما يعتبر الفنان أن الجدارية الفنية تمثل معادلا موضوعيا لامتداد تاريخ الأمة العربية وقضايا الشعوب، فهي فن قديم جدا، يتناول تراث الشعوب وتاريخها وفكرها لما تحمله من رسائل مهمة.

كما يلفت الفنان المصري إلى إمكانية أن تكون الجدارية مثيرة ومذهلة وهادئة، أو تحريضية أيضا، ويقول “الجدارية هي أسهل وسيلة يمكن للفنان من خلالها أن يشارك فيها شعبه ويعبّر عن همومه”. ويستلهم الفنان عبدالسلام عيد في أعماله الـقيم الجـمالية المستمدة من وحدات التراث العربي والإسلامي، مستكشفا جماليتها وأبعادها الفلسفية والفنية، وموظفا إياها بصورة مباشـرة وصـريحة أو بصورة مـجردة ورمزية أو بشكل تعبيري.

كما أن لديه القدرة على التوظيف الناجح والمرهف لتلك الخامات الأكثر قربا إلى الناس، هو لا يحاول إعادة إنتاج صورة موازية لهذا المحيط البصري، بل هو يستنطق وهج المكان وبهجته، يكشف عن روحه وسره عبر تلك العلاقات البصرية التي ينشئها في تصاويره الجدارية وتجهيزاته الفراغية وحتى في لوحاته الزيتية أو المائية.

وأعماله الأخيرة مثال على تلك النزعة المحبة للتعامل مع الخامات بكل أشكالها وأنواعها، وفيها استخدم الفنان المصري حبالا مختلفة السماكة وخيوطا  وأقمشة وأحجارا ملونة ليشكل بها لوحاته، هو يحاول الخروج عن الإطار التقليدي للوحة بعناصرها وتشكيلها وأدوات صنعها، كما يخرج أيضا عن الإطار التقليدي للعمل الصرحي الحائطي، يحاول الجمع بين هذا وذاك في إطار من التجريب والمحاولة المستمرة في إثبات قدرة الخامة على التطوع بين يديه، أو قدرته هو على تطويع الخامة كي تعبر عمّا يريد من أشكال.

أشكال عبدالسلام عيد زخرفية الطابع، تتخذ بألوانها الحيادية مكانها على صفحة الذاكرة البصرية للمتأمل، فلا تستطيع استبعادها من تلك المخيلة، هو يحمل من الجرأة ما يدفعه إلى إبداع عمل كامل عن طريق لفائف الحبال، لفائف الحبال وحدها من دون إضافة عناصر أخرى، يطوّعها ويغزل منها جدائل ملتفة حول بعضها ليشكل هيئة زخرفية بالغة الرهافة، تكسوها الظلال الرمادية وتحيطها التقاطعات والتباينات الخطية.

17