فنان مصري يصوّر أوجاع الطبيعة وخدوش الأعماق الإنسانية

وجيه وهبة يطل على المشهد التشكيلي المصري من خلال معرضه الجديد "تنويعات" بعد قرابة عشر سنوات من الاحتجاب والتأمل.
الاثنين 2019/05/06
صيغ فانتازية للخلاص من كوابيس الحاضر

بدت أصابع الفن في معرض “تنويعات” للتشكيلي المصري وجيه وهبة بالقاهرة مثل ضربات تعبيرية متنوعة على أوتار الجرح، وإشارات ذاتية عارية للاعتراض على ما حدث للبشرية من تراجع، وللوجود من اضمحلال، فمن رحم الصيحات التحذيرية، هناك دائما ميلاد للصدق، ونزع للأقنعة، ورغبة حقيقية في المكاشفة والمواجهة وعدم الاستسلام للعدم.

القاهرة - كدأب التعبيريين في اعتناقهم الذاتية المفرطة ورفضهم ما هو كائن وتمردهم على المحاكاة والوصف الميكانيكي للأسطح والملامح وعدم اكتراثهم بنقل المشاعر الفجة والأفكار الذهنية كما هي، جاء معرض “تنويعات” للتشكيلي المصري وجيه وهبة، الذي أقيم في “غاليري بيكاسو” في حي الزمالك بالقاهرة مؤخرا.

مغامرة شخصية للتحلل من إسار الشكل الجامد، إثباتا للمعنى المراوغ والجوهر الباقي، وتحقيقا للأصول البشرية الضاربة بجذورها في تربة الأرض، رغم التجريف المتتالي والتشوهات الكثيفة والأحداث العاصفة التي محت ملامح العالم البريء، وخدشت الأعماق الإنسانية النقية.

وفي معرضه الجديد “تنويعات” الذي أطل به الفنان وجيه وهبة (69 عاما) على المشهد التشكيلي المصري بعد قرابة عشر سنوات من الاحتجاب والتأمل، تنوّعت خطوط التعبير في مساراتها وسردياتها، لكنها التقت جميعا عند نقطتي المنبع والمصب، فهي خطوط ومُتّجهات من الجرح إلى الجرح، ومن الوجع إلى الوجع.

وفي تلك التنويعات المُحيلة إلى العري والتجرد من الزيف والمساحيق، بدا الإنسان والطبيعة والكائنات سواء في الألم الداخلي ونزيف الأعماق، فلا مجال للاختباء خلف قناع أو الاحتماء بوجه صناعي، فالفن هو الخلق الجديد الفاعل، القادر على فضح ما هو قائم من إفك وتدليس ورياء، وحرق الخلايا الميتة التي تتمسح بصفة الحياة زورا، وكشف كل ملابسات الانحدار القيمي والسلوكي والتبدد الروحي، واستبدال أبجدية الصقيع والتيبّس بألوان سائلة، لا تزال ذائبة فيها بقايا عصارات الآمال والأحلام والخميرة الإنسانية النشطة.

الوجوه نوافذ ومرايا

شكلت الوجوه ثيمة محورية في معرض “تنويعات”، وهي وإن بدت وجوها بشرية في معظم الأحوال، فإنها نوافذ للولوج إلى سيرة الإنسان وتاريخه وعلاقاته المتشعبة بعناصر الكون ومفردات الطبيعة وكائناتها.

وبقدر ما رسم الفنان المصري وجيه وهبة مؤشرا ذاتيا لإحباطات هذه الوجوه وهزائمها وانحسار أضوائها ووقودها الحيوي في معترك الواقع البائس، بقدر ما شكلت الوجوه مرايا عاكسة للكوارث البيئية والكونية وذبول الطبيعة وشحوب العالم، وجاءت القتامة في لوحات المعرض حالة عامة أكثر من كونها درجات لونية مستخدمة.

هذه الرغبة العارمة لدى الفنان في تصوير مستجدات العصر، وتأثيراتها السلبية على البشر والموجودات، ليست بدافع الانهزامية والعدمية، وإنما هي بمثابة إعلان لرفض التجميل ودفن الرؤوس في الرمال، ودعوة إلى المصارحة والمكاشفة، فمن وعي الإنسان بذاته وإدراكه لما جرى له وللعالم من حوله، يمكن بلورة بداية إيجابية لرحلة التحرّر من الأغلال الداخلية المقيّدة والمخاطر الخارجية المحدقة.

المعرض عبارة عن لوحات تشكيلية صادمة ترصد الانحدار القيمي والتجريف الروحي والحياة الزائفة

لقد شكلت الأعوام العشرة الأخيرة، خصوصا ما بعد الثورات العربية، مناخا من الخلخلة وعدم الاستقرار وزعزعة الثوابت، واهتزّت مسلّمات كثيرة، وطفت على السطح سلوكيات وأخلاقيات مبتذلة وانتهازيات سياسية ودينية واجتماعية شتى، واختلط الحابل بالنابل، والصواب بالخطأ، وتكاثرت الشرور والنزاعات والصراعات، الأمر الذي خرج بالإنسان عن شكله القويم، وعرّضه لتشوّهات عميقة في الملمح والجوهر في آن، وهو ما حدا بالفنان المصري إلى مراجعة كل الوصفات الجاهزة في التعبير عن هذا الإنسان في حالاته وتفاعلاته المختلفة، مع أقرانه من البشر، ومع سائر الكائنات والموجودات.

تجاوز وجيه وهبة في نظرته التعبيرية الأطر الحدودية، لينفذ إلى طبقات التأمل والاستبصار والغوص في المكنون الإنساني والمسكوت عنه من المشاعر المحبوسة والدوامات النفسية، وفي سعيه إلى اقتناص الفريد النادر، لم يبدّد الفنان طاقته في تقصّي ما حدث للبشر من توحّش، وللعالم من تنمّر، بقدر ما تحسّس بدقة مواضع الوهج والالتماع الروحي المتماسكة حتى هذه اللحظة، ليعمل على تنميتها وتغذيتها بإشعاعات الأمل الخافتة، ورائحة الصلصال المنبعثة من مكان ما.

التحرر من التبعية

 من خلال رؤيته الذاتية الخالصة، ونزعته التعبيرية، تمكن الفنان وجيه وهبة من مواجهة المتلقي بالحاضر الراهن من جهة، بواقعيته وسوداويته، وبالعالم الفانتازي المتخيّل من جهة أخرى، بما فيه من تمرّد على هذا الواقع، وتهكمّ عليه، وإبراز لمساوئه، ورغبة في تجاوزه.

مثل هذه الثورية، في هذا الإطار الفني الذاتي، ليست وليدة أفكار ذهنية أو معرفية ثقافية أو منصات أيديولوجية، لكنها نتاج تلقائي لتحرّر الفنان التعبيري من كل معاني التبعية، ليكون هو محورا للمكان والزمن والتاريخ، ويصير الاجتهاد الشخصي مرتكزا لتصدير الذكريات والتصوّرات والأحلام، وربما الأوهام والأساطير.

هكذا، قدّم الفنان القبح والشراسة والقتامة بمنظور جمالي، وأطلق من ثنيّات السواد براكين ضوئية ولونية وتفاعلات مرئية محببة إلى النفس، بعطر الورود وملمس الحرير وإيقاعات الموسيقى المنغّمة، وتجلت من خلف أستار الوجوه السميكة رقرقات الروح الصافية في تصوّفها وتعبّدها وتصالحها مع ذاتها.

من دواعي تميز الفنان التشكيلي المصري وجيه وهبة في تجربته الجديدة “تنويعات”، أنه لم يقدم صورة كلية للجنّة التي عرضها السماوات والأرض في لوحاته التي ملأتها على الجانب الآخر ألسنة الجحيم والأدخنة والأشباح والشياطين.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإن نسمات الخلود والفردوس المفقود تكاد تخطف المتلقي خارج الصورة إلى نعيم مقيم من طراز خاص، يحمل بصمة الفن وبصيرة الفنان.

17