فنان يزاوج بين مدينتي الإسكندرية والإحساء السعودية

يحاول الفنان السعودي محمد المهدي تطويع الألوان في خدمة أعماله الفنية، جنبا إلى جنب مع علمي الحاسب الآلي والتنمية البشرية اللذين ظل يُدرّسهما لمدة 24 عاما، لتعطي لوحاته التي تغلب على بعضها التجريدية الكاملة، معنى مغايرا في كل مرة يتم التدقيق في معالمها، ويؤكد أن بلاده حافلة بجميع أنواع الفنون عندما تمنح لها الفرصة للتعبير الحقيقي.
الجمعة 2018/01/26
لوحات سريالية أكثر منها تجريدية

القاهرة - في معرضه الأخير بمتحف أحمد شوقي بالعاصمة المصرية القاهرة، والذي انتهى في العشرين من يناير الجاري، عرض التشكيلي السعودي محمد المهدي 50 لوحة تحمل مضامين مختلفة ولا تجمع بينها وحدة للموضوع، باستثناء محاولة خلق مزاوجة بين مدينتي الإسكندرية والإحساء السعودية، مسقط رأسه عبر علاقات بصرية تجمع الطبيعة المشهورة لكل منهما.

وتعطي بعض لوحات المهدي مساحة واسعة للتخيل، فاللوحة الواحدة يمكن فهمها من اتجاهات عدة، قد تبدو قطعا أرضية من قارة أو سمكة ملتصقة بصخرة تحت الماء، وعلى المشاهد أن يدركها كما يشاء وفقا لمخزونه الفكري ومنطلقه الثقافي.

ويبدو التشكيلي محمد المهدي هائما على لوحاته، يتعامل بتلقائية وسلاسة مع عناصرها، ويسعى إلى اللامحسوس، متمسكا بالمذهب التجريدي الذي يبحث عن جوهر الأشياء والتعبير عنها في أشكال موجزة، أو بمعنى آخر الاستغناء عن الشكل الحقيقي بسلسلة من الخطوط والأشكال الهندسية.

وتتضمن لوحات الفنان السعودي مظاهرة لونية يطغى عليها اللونان الأحمر والأصفر الكناري، لتبدو أشبه بحمم بركانية منطلقة من فوهة بركان، مع مزاوجة مستمرة بين السماء والبحر، ربما لأنه قضى معظم حياته قبل احتراف الفن في القوات الجوية السعودية كضابط، ثم مدرس لثلاث مواد تتعلّق بالإدارة والقيادة وعلم الحاسب الآلي.

ويقول المهدي، لـ”العرب”، إنه عشق مذهب التجريدية في الفن التشكيلي لقدرته على تحميل اللغة البصرية للون وتأثيره الوجداني أكثر من معنى ودلالة على حسب قراءة خاصة لكل مُشاهد.

وتتسم التجريدية الكاملة التي يعتمد عليها المهدي بالاهتمام الشديد بالأشكال والأحجام والألوان بصرف النظر عن القدرة على تميّزها عن التجريدية الجزئية، التي تبدو بعض ملامح الشكل المرسوم أسهل تمييزا.

ويؤكد المهدي لـ”العرب” أن عمله في مجال تدريس الإلكترونيات وإدارة الأعمال والتنمية البشرية في القوات الجوية السعودية مكّنه من فهم النفس البشرية ومحاولة الوصول للعقل الباطن للمتلقي عبر التحكّم في اللون والكتلة والتكوين، والخروج بعمل خاص لا يمكن تكراره من قبل الفنانين الآخرين. ويضيف الفنان السعودي أنه يعتمد على تكتيكات معقّدة في اللوحة تتطلب مجهودا شاقا، فكل جزء منها يمكن اعتباره لوحة مستقلة، ومقدرة الفنان تظهر في كيفية جمعها كلها في كيان وتصميم كلي ذات شكل جميل.

محمد المهدي: أخاطب العقل في أعمالي، فالحواس تخدع لكن العقل لا يمكن خداعه

ويجسد المهدي الطبيعة بصورة مغايرة للكثير من التجريديين، إذ تبدو بعض لوحاته سريالية أكثر منها تجريدية، حيث تقل فيها الخطوط والأشكال الهندسية وتكثر فيها الألوان المغايرة للطبيعة، فالسماء قد تصبح صفراء قانية والبحر قد يهجر الأزرق إلى اللونين الأبيض والأسود.

ولا يرسم المهدي الطبيعة مباشرة، بل يتفحّصها أكثر من مرة ثم يحاول التعبير عنها بما علق بذهنه، ويبدو ذلك في لوحته عن شرم الشيخ التي تحمل عنوان “أعماق البحار”، إذ رسمها تعبيرا عن تجربته في الغطس بمياه البحر الأحمر، لكنها جاءت مغايرة أيضا للمفهوم العادي للرسم من حيث الألوان والتجسيد.

ويشير إلى أنه ترك في لوحته “أعماق البحار” للمتلقي الفرصة لكي يشارك في بناء باقي لوحته، إذ رسم البحر والشعاب المرجانية وسمح لمن يشاهدها بأن يضيف من مخيلته باقي عناصرها من الأسماك وألوانها والأصداف.

وارتباط المهدي بالبحر نابع من عشقه لمدينتي الإحساء بعيونها الجوفية وآبارها ونخيلها، والإسكندرية التي يقول إن أمواجها أخّاذة وتتابعها يرسم سيمفونية صوتية، سعى للتعبير عنها بتحويلها من الصوت إلى الصورة عبر الورق.

وفي لوحة جبل القارة بالإحساء السعودية الذي يعتبر معلما سياحيا محليا، أعطى الصخور التي نحتتها عوامل التعرية وأعطتها مجسمات شكلية، ملامح أكثر وضوحا لتبدو الصخرة كائنا آدميا ذا روح، صامد في مواجهة التحديات والمحن.

ويشير مهدي إلى أنه استطاع الاستفادة من لغة البرمجة اللغوية العصبية التي تكشف معالم الإنسان الداخلية وطاقاته الكامنة، وتؤهله للتعرّف على شخصيته وطريقة تفكيره وسلوكه وأدائه وقيمه، في التنبؤ بانطباعاته عن الرسم، ولذا فضل الرسم للعقل وليس للأعين.

ويترك محمد المهدي في لوحاته للمتلقي جزءا يكمله فلا يرضيه أن يكون متذوّقو أعماله سلبيين يكتفون بالاستمتاع فقط، ففي لوحاته عن البحر يترك لهم مقعدا تحت مظلة لإكمال الموجات التي لم ينته تشكيلها، وفي لوحاته التقنية المعقدة يعطي لهم مساحة للتفكير وتدقيق البصر لمعرفة ماذا يريد من وراء تلك السلسلة من الخطوط والألوان؟

17