فنان يمني يخوض الحرب بالألوان

رسام الغرافيتي مراد سبيع يساهم منذ أكثر من ثلاث سنوات في تنظيم حملات للرسم على الجدران تهدف إلى نقل مأساة اليمن وآلامه إلى العالم.
الخميس 2018/07/12
"حطام" مشروع فني ليعم السلام

الفن سلاح ناعم إذا تردت الأوضاع في بلد ما، لكن له قدرة على المقاومة لأنه يبعث أمل الحياة في الناس ويساهم في توعيتهم بأهمية قيم الحب والجمال، فنان الغرافيتي اليمني مراد سبيع يدخل غمار الحرب بالرسم على الجدران.

صنعاء- منذ سنوات برز اسم الفنان اليمني، الرسام الغرافيتي، مراد سبيع كواحد من أشهر الفنانين في البلاد، الذين يناقشون مأساة وآلام بلادهم، عبر الرسم على الجدران.

ومنذ بدء الحرب المشتعلة في اليمن، قبل أكثر من ثلاثة أعوام، كان للفنان الشاب سبيع إسهام فاعل في تنظيم حملات للرسم على الجدران، تهدف إلى نقل مأساة اليمن وآلامه إلى العالم.

وعلى الرغم من إسكات مختلف الأصوات في اليمن، منذ بدء الحرب من قبل أطراف الصراع، إلا أن صوت الفن لدى سبيع لا يزال مدويا، رغم الظروف الأمنية الصعبة التي تمر بها بلاده، والتي لا تسمح ببروز أي انتقادات أو أي أنشطة تعبر عن مآسي الوطن التي كان أطراف النزاع سببا في انتشارها.

وقال سبيع إن فنه “يتركز في الرسم على الجدران والتعبير عن القضايا اليمنية، خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد بسبب الحرب”. وأوضح قائلا “نقوم بجهود ذاتية عن طريق الرسم، لتجسيد الأوضاع في ظل الحرب، ونقوم بتجسيد دور للفن في ظل الصراع الحالي”. وبين أنه بسبب أن الحرب أسكتت العديد من الأصوات في اليمن، فقد جاء الفن ليتواجد في هذا الوقت الصعب.

وحول مدى استمراره في عمله ونشاطه رغم الظروف الأمنية، تساءل قائلا “إذا لم يحضر الفن كوسيلة تعبير عن أوضاع الناس في ظل الحرب، فمتى كان سيظهر؟”. ويعتبر سبيع وجود الفن في هذه الأيام باليمن أفضل من وجوده في أي وقت آخر، باعتبار أن وسائل التعبير الأخرى تحضر وقت السلم بشكل تام.

ويبدو سبيع سعيدا باستمراره في ممارسة نشاطه رغم ظروف الحرب، ويقول إن “رمزية وجود الفن في هذا الوقت، خصوصا الرسم على الجدران، تتمثل في كونه قريبا جدا من الناس، بحكم أنه يُلمس ويتواجد في طريق ذهاب الناس إلى العمل أو إلى المدرسة، أو في مختلف تحركاتهم”.

مراد سبيع: الحرب تجعلنا بلا أحلام  ولا أمل ولا حياة ولا روح..وتدفعنا إلى الصمت
مراد سبيع: الحرب تجعلنا بلا أحلام  ولا أمل ولا حياة ولا روح..وتدفعنا إلى الصمت

والفن، حسب سبيع، يعمل على خلق حوار في الشارع، خصوصا في وقت الحرب التي يشهدها اليمن، وبخصوص ذلك يقول “هذه رسالة الفنان، بأن يحفز على صنع الحوار في الشارع اليمني”.

وفي الأنشطة الفنية التي مارسها سبيع استطاع مناقشة العديد من القضايا المهمة التي تواجهها بلاده، في ظل الحرب، وخصوصا الأوضاع الصعبة التي يمر بها الأطفال والنساء. ويسرد سبيع حملته الفنية التي سماها “حُطام”، والتي بدأت في شهر مايو من عام 2015، حيث تتم فيها الدعوة إلى الرسم بمشاركة الناس.

ويشير إلى أنه يقيم حملات فنية للرسم في صنعاء ومدن يمنية أخرى، وقد وصلت حملاته الفنية في المجال ذاته إلى الخارج، حيث تم تنظيم تعاون لإقامة الحدث نفسه في مدينة ريديج البريطانية بالتعاون مع فنانة هناك. وهذه الحملات في الداخل والخارج تدعو في مجملها إلى إحلال السلام في اليمن الذي مزقته الحرب، على مدى سنوات مضت.

في العام الحالي (2018) توسع نشاط الفنان اليمني سبيع، حيث أصبحت حملات الرسم التي يقوم بها في ست مدن يمنية، هي صنعاء وعدن وتعز ومأرب وإب والحديدة، بالإضافة إلى مشاركة أصدقاء وفنانين في مدن بالخارج، مثل عاصمة كوريا الجنوبية سيول وفي مدغشقر، وفي العاصمة الفرنسية باريس.

ويشرح سبيع بكل سرور وفخر كيفية مشاركة هذه الحملات في باريس، مشيرا إلى أن الحدث هناك كان كبيرا وواسعا، وناقش أهمية إحلال السلام سواء في اليمن أو في العالم.

وحول مدى تفاعل الناس ومشاركتهم في هذه الحملات، يقول سبيع إن “مشاركتهم هي روح العمل… إن تربط العمل الفني بالناس ينجحوا في العمل، وتمنحهم قضاياهم القدرة على الإنجاز والنجاح”.

ويتابع سبيع قائلا إنه “أطلق في نوفمبر من العام الماضي (2017) حملة جداريات ‘وجوه الحرب’، وقد كان ذلك في مدينة الحديدة، غربي اليمن، بحكم أن المدينة تتعرض لإهمال متعمد، ويعاني سكانها من الجوع والفقر والمرض”.

وقد كانت هناك جداريات أخرى، تم تنفيذها في صنعاء في العام الحالي وهي في مجملها محاولة لنقل وجوه الحرب عن طريق الرسم على الجدران. وحول كيفية تصوير ومناقشة قضايا اليمن عن طريق الرسوم على الجدران يوضح سبيع قائلا إنه يريد إيصال رسالة مفادها أن الحرب ليست بنادق وقذائف وألغاما… “أنا قمت بتصوير الحرب في الرسوم، عبر تأثيرها على الناس”.

ولفت إلى أن الحرب يتم تصويرها عن طريق تلك الرسوم التي تحكي العيون الفارغة التي أصبحت كثقب أسود بسبب أهوال الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، بالإضافة إلى ذلك الجلد الملتصق على العظم، والوجه الهزيل صاحب الملابس الرثة.

وكذلك تمت مناقشة مأساة الحرب عن طريق رسم أعضاء مبتورة على الجدران، أو ذلك الرأس المقطوع الذي يقف عليه الغراب، أو الطفل الذي يده مبتورة وما زال يرفع في يده الأخرى شعارا يدعو إلى السلام. وحول تأثيرات الحرب على واقعه وواقع اليمنيين، يشعر مراد سبيع بأسى شديد في هذا الجانب، ويقول “الحرب تجعلنا بلا أحلام ولا أمل ولا حياة ولا روح أيضا”.

وفي المقابل، يبدو عليه عامل الرضا عن تأثير رسائله الفنية، ويشير إلى أن رسائله وصلت إلى جمهور غفير، وقد تم التعامل معها في وسائل الإعلام العربية والدولية. وفي ما يتعلق بمساحة التعبير في بلاده والعوائق التي تعرض لها يقول سبيع “في ظل الحرب يصمت كل شيء، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على أي نشاط”.

الرسم على الجدران يعاني كاليمن واليمنيين
الرسم على الجدران يعاني كاليمن واليمنيين

وشكا من أنه لم يتمكن من زيارة بعض المدن اليمنية، للقيام بحملات فنية فيها، بسبب الأوضاع الأمنية والصراعات هناك. ولفت إلى أنه لا وجود للحرية على الإطلاق، موضحا أنه “يقوم بالرسم في واقع مليء بالخوف، فكل جهة مسيطرة على منطقة ما في اليمن لا تؤمن إلا بصوتها”.

وقال “إذا كانت رسالتك الفنية مباشرة، أو إذا فُهمت بأنها لا تخدم طرفا ما، فإنه قد يتم قمعك من الجهة المتحكمة، ولهذا (…) كانت الرسائل الفنية الموجودة لا تفهم بسهولة”.

ويحاول سبيع الاستمرار في الرسم في هذا الوقت الصعب، دون الدخول في صراع مع الأطراف المسيطرة على الأرض، لأن من سيخسر هو الفنان أو الفن، وبالتالي “قد نكون ضحينا في فكرة إمكانية الاستمرار في هذا العمل في ظل الظروف الصعبة”.

وشكا سبيع من أن الأطراف المتصارعة تفكر في نفسها فقط، واليمنيون خارج إطار نطاق اهتماماتها، سواء أكانوا من الأطفال أم من النساء أم من الأبرياء أم من الضحايا. وقال إن” هناك انتشارا لميليشيات في كافة التراب اليمني، قد تستمر تغذيتها لأنه لا توجد دولة تحمي المواطن أو جيش يحسم الصراع من أجل الدولة”.

ويتمنى سبيع مواصلة حملات الرسم، للتعبير عن هموم وقضايا اليمن. وأضاف في هذا السياق أن “هناك شبان بدأوا يخرجون من منازلهم ويرسمون ويعبرون عن قضاياهم”. وتابع قائلا “بدأ الناس يعتمدون على الوسائل السلمية والفنية للتعبير عن قضاياهم، وهذا شيء عظيم؛ هذا دليل على أن اليمنيين شعب حضاري وعريق”.

واختتم بالقول “تكالبت علينا الظروف العصيبة، لكن يفترض ألا يبقى أحد في مكانه؛ لزام علينا أن نعمل ونخصص وقتا للخروج من الدمار والحرب التي نعيشها”.

20