فنجان قهوة بطعم طفل

رغم أن العديد من النساء ما زلن يرزحن تحت أزمة عدم تصديق عائلة الزوج أو الزوج نفسه لحملهن وإنجابهن للأطفال على كبر... فإن العقل العربي صار يوازن الكثير من المسائل بعقل الحكمة.
الثلاثاء 2019/03/26
عالم طفولي بطعم القهوة

تصادفنا أحيانا كثيرة دراسات تقوض معارفنا السابقة وتقدم لنا بدائل جديدة يتسم بعضها بالمعقولية، ويوسم بعضها الآخر بالمغالاة في الغرابة والجنوح إلى الخيال، ومع ذلك فإن ولادة طفل أسمر من أبوين أبيضين بسبب إفراط الأب في شرب القهوة مسألة فاقت كل حدود أبحاث العلم الجيني، لكنها لم تتجاوز الكرتون بأي شكل من الأشكال حيث لا شيء مستبعدا في هذا العالم الطفولي!

وإلى وقت قريب كنت على يقين من أن هناك عوامل وراثية تساهم في ولادة طفل بلون مختلف عن أبويه وبقية إخوته، لاسيما إذا كان هذا اللون عائدا إلى جين من جينات العائلة، إذ يكفي أن يكون الجد الأول للأب أو الأم أسمر مثلا حتى يولد بعد أجيال وأجيال نسل جديد يعود بأسرته إلى سلالتها الأولى. لكن عائلة إسبانية وضعت قواعد جديدة لهذه المسألة الشائكة التي كانت ولا تزال موضع دراسة، حيث دفعت الأم عن نفسها شبهة الخيانة بأن أقنعت زوجها أمام طاقم التوليد في المستشفى بأنه السبب المباشر في اختلاف لون طفلهما، معللة ذلك بشربه القهوة.

المشكلة لا تكمن هنا بل في تصديق الزوج لهذه الحجة التي لا تستند إلى أي مراجع علمية، قائلا أمام العاملين في مستشفى جامعة فالنسيا الإسباني “أشعر بالسوء لأنني شككت في شريكتي، صحيح أنني قد شربت الكثير من القهوة في الآونة الأخيرة وهذا قد يكون له تأثير بطريقة أو بأخرى على لون بشرة المولود، بالتأكيد أنا أثق في شريكتي، لن أقوم بإجراء اختبار الأبوة”!

فعلا هو ليس بحاجة إلى اختبار أبوة وإنما مراجعة مداركه العقلية أو المعرفية لا أعرف، المهم هو إدراكه للخلل في التفكير الذي يقارب إلى حد كبير إصرار الكثير من العائلات على أن إنجاب بنت مرتبط بالأم ضاربين بتوضيحات الأطباء التي تجزم أن الأمر منوط بعهدة الأب وأيضا ببعض الوضعيات الحميمة وأساليب الأكل، عرض الحائط.

واليوم في ظل انفتاح العالم التقني تنامى الخوف من أن تخرج هذه الحجة من نطاقها الجغرافي لتلقي بظلالها على الحاضنة العربية التي تأخذ كل ما هو غربي بعين الاعتبار، لكن هذا مستبعد جدا فبالرغم من أن العديد من النساء ما زلن يرزحن تحت أزمة عدم تصديق عائلة الزوج أو الزوج نفسه لحملهن وإنجابهن للأطفال على كبر بعد انتظارهن سنوات، فإن العقل العربي صار يوازن الكثير من المسائل بعقل الحكمة.

ولا يمكن لهذه المسألة العرضية أن تخرج عن كونها طرفة من طرائف عوالم الغرائب والعجائب المنتشرة في مختلف مواقع البحث على الشبكة العنكبوتية، فهي لن تكون حجر عثرة في طريق تقدم العلم الذي يعمل بجد على إنقاذ حيوات الآلاف من الأجنة داخل أرحام أمهاتهن، إذ نجح باحثون بريطانيون، مؤخرا، في التقاط صور غير مسبوقة لقلب جنين وهو ينبض داخل رحم الأم، ما ساعد في تشخيص أمراض القلب وعلاجها فور ولادته، مؤكدين أن هذا التصوير الجديد سيساعد في تحسين الرعاية الطبية المقدمة للأجنة المصابين بأمراض القلب الخلقية، والأمثلة في هذا المضار عديدة.

والأمر لم يقتصر على ذلك فحسب، بل امتدّ إلى تحليل الجينيات لضمان مستقبل الأجيال ماديا، إذ أشار باحثون إلى أن ثلاثة أرباع الجينات مرتبطة بالذكاء، وهذا ما يمكن أن يحدث الفرق بين النجاح الاقتصادي والفقر.

ومع ذلك صرت أخاف إدماني لهذا السائل الذي يتغلغل في الروح والجسد، فبعيدا عن العنصرية من يعلم كيف سيكون لون طفلي مستقبلا؟ وهل ستظل هذه المقولة سحر محبي “السمراء” “قدم لنفسك معروفا واصنع كوبا من القهوة”؟

21