"فندق بارون" ومدينة شرقية اسمها حلب

الأحد 2014/05/04
فندق البارون صورة في الواقع وصور في الرواية

هو ذاك السحر الذي يمتلكه الشرق، العبق الخفي من الغيبيات الذي يحكم سكان المنطقة، وفحولة رجالها الذين تمكنوا من إغواء كاترين وأسرها بفيض ذكورتهم، الروائي السوري (عبدو خليل) في باكورة أعماله (فندق بارون)- دار الآداب 2014- يروي قصة الرحيل والهوس في البحث عن الأب، فالشابة البريطانية (هيلين) تقصد مدينة حلب السوريّة في محاولة لإيجاد إجابة عن سؤال (من هو أبي..؟) يذكر أن الرواية أنجزت ضمن محترف نجوى بركات لكتابة الرواية في دورته الثانية 2013-2014.


صدمة أولى


تبدأ الرواية بهيلين البريطانية وهي تقرأ وصية أمها كاترين بعد أن اكتشفت وجودها ميتة على سريرها في الداخل، لتفاجأ أن أباها الذي لم تعرفه أبداً هو أحد ثلاثة من أغنياء حلب التي أقامت معهم كاترين في أحد أشهر فنادق المدينة (فندق بارون). بسرعة وخفة تعمد للرحيل إلى سوريا مجهولة التفاصيل بالنسبة إليها ولحبيبتها المثلية ليزا، حيث تحذرها الأخيرة من الشرق وما فيه من غوايات، إلا أن هيلين تعقد العزم وتتجه إلى حلب لتبدأ نوبات من الغياب والإغماء بإصابتها مراراً طوال إقامتها في حلب وكأن هذه الرحلة حلم لا يمكن تصديقه .

حلب المدينة التي تتسم الآن بالموت والدماء والشهداء الذين يزرعون سماءها، مختلفة عن حلب التي يقدمها عبدو خليل، فهي ما زالت تنعم بالحياة والاحتجاجات لم تصل إليها بعد، فأحداث الرواية تدور في الأشهر الأولى من الحراك في سوريا ولم تصل بعد إلى أوجها لتنتهي الرواية باعتقال هيلين من قبل الأمن ظناً منهم أنها صحفية بعدها يتم ترحيلها إلى بريطانيا.


إشارات فقط


الكثير من الأحداث ترد على ألسنة الشخصيات تدور في زمن سابق في حين أن الأفعال الآن تبقى أقل تأثيراً، الجميع يسترجع الماضي/ الغياب وما فيه بعيداً عمّا يحدث الآن في حلب كل يوم جمعة، فـ(كارو) مديرالفندق الأرمني يروي تاريخا وقصصا عن الأرمن، أبو الريح الكردي من عفرين يستدعي قصص سجنه وتجارته بالحبوب المهلوسة وعمله السري في حزب العمّال الكردستاني وتفانيه في سبيل القائد ” عبد الله أوجلان”، بالإضافة إلى إشارات إلى حركة الإخوان المسلمين والخسارات التي واجهتها المدينة حين تعرضت هذه الحركة للقمع في حلب، مظهراً الكراهية التي يشعر بها (كارو) الأرمني تجاههم. كما ينوه الكاتب إلى استقلال عفرين وامتلاكها حرسها وشرطتها الخاصة في بداية الاحتجاجات في سوريا.

الرواية تحمل في داخلها إشارات إلى أهمية التدوين وحفظ التاريخ

الأحداث تجري بعفوية، بالرغم من الزمن الطويل الذي يفصل بين بعض الفصول إلا أن الأحداث تنساب بسهولة تجعلها أقرب إلى سلسلة من المصادفات، حيث تنساق هيلين بين الشخصيات التي تتبادلها وتتعاطف مع قصتها، فأبو الريح يقع في غرامها، بالإضافة إلى لقاءاتها السريّة مع منار التي تبادلها ذات ميولها المثلية .

تحاول الرواية أن تستبيح العالم السري للشهوات في الشرق إلى جانب وضوحها في الغرب، فبعد أن كانت هيلين تمارس (مثليتها) الجنسية بكل حرية ووضوح في بريطانيا، تواجه عالماً من الرغبات السريّة في حلب، ويختزل ذلك في كارو، الذي يساعد هيلين ظاهرياً في البحث عن أبيها ودلّها على الذين من الممكن أن يكونوا يعرفونه، لتكتشف في النهاية أن زيارته السريّة للقبو، كانت بسبب احتفاظه بكافة الثياب الداخلية للنساء اللاتي أقمن في الفندق و ممارسته للعادة السريّة ليلاً في القبو الخاص بالشهوات.


مكان ضبابي


بالرغم من أن الرواية تدور أحداثها في حلب، إلا أنها لا ترسم صورة كافية عن المدينة، بالإضافة إلى العلاقة مع المكان، فخارج المدينة، سطحي، بعيد عن التفاصيل التي تتميز بها حلب عاصمة الشمال السوري، حتى الرحلة التي قامت بها هيلين إلى عفرين لم ترسم ملامح كافية لموطن أكراد الشمال وكأن المغامرة إلى الأرض المستقلة (نظرياَ) لا تتعدى المرور لإتمام تفاصيل الحكاية التي بقيت ضبابية حتى النهاية.

إسقاط على واقع

الرواية تحمل في داخلها إشارات إلى أهمية التدوين وحفظ التاريخ، فهيلين هي مثال عن الكثيرين (الأرمن خصوصاً) الذين يزورون الفندق للبحث عن أقاربهم في السجلات التي يحتفظ بها كارو عن المهجرين من الأرمن، فالأمل هو ما يحركهم، بالرغم من أن أغلبهم من العجائز إلا أن رحلة البحث عن الدم الضائع للأرمن لا تنتهي، إسقاط لما يمكن أن تمر به حلب الآن، فالتدوين وحفظ الذاكرة والأسماء وتوثيقها خوفاً من الضياع هي مشكلة إنسانية يقف أمامها السوريون في ظل رحيل الكثيرين عن الحياة وضياع أسمائهم وذكرياتهم.


هامش


اسم الرواية مغرٍ لعشاق الشرق والمغامرات ففندق بارون تأسس عام 1906 في مدينة حلب بشارع بارون (شارع غورو سابقاً)، وقد أقامت فيه الكثير من الشخصيات السياسية والثقافية والعالمية منها: الملك فيصل، جمال عبد الناصر، لورانس العرب، أغاثا كريستي وزوجها، رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين، سعدالله الجابري، فارس خوري وابراهيم هنانو وغيرهم..

15