فنزويلا.. صراعات داخلية تضع البلاد على شفا الانهيار

الأحد 2017/08/13
غاب الاستقرار في فنزويلا بغياب تشافيز

بوغوتا (فنزويلا) - تشهد فنزويلا أزمة ليست عادية بل تبدو الأخطر منذ وفاة الرئيس السابق هوغو تشافيز عام 2013، حيث تجاوزت الأزمة البعد الإقليمي وبدأت تأخذ منحى دوليا.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه في هذا السياق هو كيف ينبغي لنا فهم مغزى تلك المعضلة التي يشاهدها العالم أجمع حاليا؟ لا شك أن الإجابة عنه تفرض علينا أولا تقديم لمحة عامة عن فنزويلا، حتى يتسنى لنا فهم الأزمة بكافة مشكلاتها وعواملها ومآزقها.

في البداية لا بد من التأكيد على أن جذور الأزمة في فنزويلا تعود إلى تلك الخلافات التي دبت داخل الحزب اليساري (الحزب الاشتراكي الموحد) الحاكم في البلاد، بمجرد موت هوغو تشافيز.

فبعض الأسماء القوية داخل الحزب كانت ترى في نيكولاس مادورو الخليفة القوي لتشافيز. فمادورو الذي يعرف على سبيل التحقير باسم “سائق الحافلات”، كان مقربا للغاية من الرئيس الراحل، لكنه لم يستطع يوما أن يكون مثله على الإطلاق.

وحينما جاء إلى سدة الحكم لأول مرة، بدأ الناس ينظرون إليه باستخفاف متسائلين “هل هذا الرجل يمكنه أن ينجح؟”، لكنّ عزاءهم الوحيد هو أن الحزب الذي يقف خلفه ويدعمه، كان سيستمر في تحسين أوضاع البلاد.

ولا جرم أن مادورو لم يستطع بأي حال من الأحوال تحقيق السيطرة والاحترام الكاملين في الحزب، حتى وإن كانت شوكته قد أخذت تقوى بمرور الوقت.

وباتت الصراعات على الساحة الداخلية سببا رئيسا من أسباب سوء إدارة البلاد، كما أنها ذهبت بفنزويلا إلى سلسلة من الأزمات الداخلية. ناهيك عن الانخفاض السريع في أسعار النفط، وما صاحب ذلك من أزمة اقتصادية.

وبرز الفساد في مقدمة الأحداث المتسارعة. وتحولت الأزمة التي طرأت على السياسة الداخلية في فنزويلا مع الوقت إلى مشكلة عجز الساسة عن إدارتها، كما استشعر الشعب آثارها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. وبدا جليا أن العديد من الجهات الخارجية التي قدمت دعما لفنزويلا، مثل إيران وروسيا والصين، لم تكن علاقاتها مع مادورو كما كانت مع الرئيس الراحل تشافيز، وهذا يعني أن الدعم الخارجي لفنزويلا بدأ يتقلص مع مرور الوقت.

كل هذه التطورات الداخلية والخارجية أثرت بشكل مباشر على سياسة فنزويلا وصورتها ومدى حضورها في المنطقة. وفي 2015 عندما بدأت تسوء الأمور بشكل كبير في الداخل، حيث سيطرت المعارضة على الأغلبية داخل البرلمان.

وطالب البرلمان بحقه في الإدارة العليا؛ لكن كل الصلاحيات مجتمعة في يد الرئيس.

وفيما يخص مأزق المعارضة فقد تشرذم هذا الكيان على خلفية ما اتبعه من سياسات، كما أنه بات ساحة لنشوب حروب “الأنا” التي خاضها قادة معارضون كانوا قد كشفوا عن أنفسهم في الفترة التي ساد فيها اعتقاد راسخ بأن مادورو سيترك سدة الحكم ويرحل.

ورغم الخسارة الكبيرة التي مني بها مادورو في انتخابات 2016 فإنه دافع على بعض من قوته، ما دفع المعارضة إلى اتباع سياسة جديدة من أجل الحصول على نتائج إيجابية في المواجهة مع الحزب الحاكم، لذلك لجأت إلى حشد الناس وتشجيعهم على النزول إلى الشوارع.

لكن المظاهرات التي اندلعت وقتل فيها العشرات، على عكس المتوقع، لم تقرّب الشعب الفنزويلي من المعارضة بل أضعفت حضورها لديه بسبب اتجاهها للعنف وبحثها عن مصالحها الشخصية.

وفي تلك الأجواء اتجهت البلاد إلى انتخابات الجمعية التأسيسية، وتمكن الحزب الحاكم من تحقيق الفوز دون مشاكل وبالشكل الذي أراده مادورو.

وأعلن مادورو نهاية يوليو الماضي عن فوز معسكره في انتخابات الجمعية الجديدة التي ستعمل على إعادة صياغة الدستور وسط انتقادات دولية، في وقت تعهدت فيه المعارضة بمواصلة الاحتجاجات رغم وقوع اشتباكات دامية.

ويتعين مع هذه المرحلة أن تتحرك القوى الإقليمية والدولية التي تسعى لحل أزمة فنزويلا في صمت بسبب عملية السلام في كولومبيا، وإلا فإن البلاد ستشهد مرحلة حرجة يكثر فيها الجدل دون البحث عن حلول جذرية، كما هو الحال في سوريا، وبالتالي سنشهد أمام أعيننا انهيار دولة بحجم فنزويلا.

وواضح للعيان أن الرئيس الحالي كسب كافة المعارك التي خاضها حتى الآن لكن نظرة الشعب له تزداد سوءا، كما أن المعارضة مازالت تعطي انطباعا للمواطنين بأنها “غير مسؤولة”. ولعل طلبها الدعم من الخارج أو حتى سعيها للمطالبة بعمل انقلاب عسكري يبعدها كثيرا عن الشعب وعن الواقعية.

الوقت وحده كفيل بتوضيح ما ستؤول إليه تلك الأزمة في فنزويلا وكيف ستنتهي. لكن رغم كل هذه التطورات يجب ألا ننسى أن الجيش لا يزال قويا وأن احتمال تدخله بات وشيكا، لا سيما إذا خرجت الأمور على نطاق السيطرة.

6