فنلندا أرض المساحات الثلجية البكر

الأحد 2014/11/09
كلاب الإسكيمو متحمسة للرحلات وشغوفة بالإنطلاق

لوستو- (فنلندا)- يكسو اللون الأبيض مساحات الأراضي الثلجية البكر التي تمتد على مرمى البصر والتي يغمرها الصمت بشكل ينمّ عن الشموخ، هذا هو شكل منطقة الحياة البرية بإقليم لابلاند بفنلندا في فصل الشتاء، والصوت الوحيد الذي يمكن سماعه في المنطقة هو حفيف الزحافات التي تندفع بنعومة فوق صفحة الجليد.

ليست هناك وسيلة أكثر مدعاة للبهجة لاستكشاف المناظر الطبيعية الصعبة في المنطقة الشمالية من فنلندا من ركوب زحافة تنطلق على الجليد تجرّها مجموعة من الكلاب، شريطة أن يعرف قائد الزحافة الذي يجلس خلف المقود كيف يسيطر على مجموعة الحيوانات التي تتفجر طاقة ونشاطا وتستعد الرحلة للانطلاق، وتعلم مجموعة كلاب الإسكيمو الضخمة القوية ذلك أيضا.

وتبدأ الكلاب في النباح علامة على نفاد صبرها وتشد الحبال التي تربطها بالزحافات التي ستقوم بجرها، وتبدو هذه الحيوانات متحمسة لبدء الرحلة ولكنها تحتاج إلى التمسك بالصبر إلى أن يتم فك الفرامل حيث يمكنها العدو بسرعة صوب الأمام.

وخلال الساعات القليلة التالية تقوم كلاب الإسكيمو برحلة سافاري لاستكشاف الحياة البرية عبر الطرق الجليدية بدءا من بلدة لوستو الصغيرة، وقبل أن تبدأ رحلة الزحافات يشرح المرشد السياحي ميكا باكمان بضع قواعد.

ويقول ميكا محذرا: “إياك أن تنطلق بالزحافة تحت أي ظرف على الإطلاق بينما الكلاب مربوطة باللجام، حيث أنه يمكن أن تصطدم الزحافة بالكلاب وتؤذيها”.

ويضيف قائلا: “عليك أن تتذكر أن تستخدم الفرامل”، ولتوضيح ذلك يقف المرشد السياحي فوق ظهر الزحافة التي تجرها كلاب الإسكيمو ويجذب قضيبا معدنيا كبيرا يقوم بدفع قطعة حديدية كالمخلب إلى داخل الجليد.

وقد يبدو الأمر صعبا عند التطبيق، ومع ذلك فإن قيادة زحافة تجرّها الكلاب تصبح بمرور الوقت عملية بسيطة، وسرعان ما يألف قادة الزحافات عملية القيادة ويحبون اندفاعها على المسار وهي تنزلق عبر مساحات الجليد البيضاء، كما يصبح حفيف الكلاب التي تعدو مألوفا ويكون هو الصوت الوحيد المسموع في منطقة الغابات التي لا تجرؤ المركبات ذات المحركات على دخولها.

وتسمى الكلبة قائدة مجموعة كلاب الإسكيمو تيبا، وهي أصغر حيوان من الكلاب المربوطة بالحبال مع الزحافة حيث يبلغ عمرها سبعة أعوام ومع ذلك فإن وجودها في المقدمة هو أمر بالغ الأهمية، ومن الواضح أنها تتولى مسؤولية التقدم إلى الأمام في الرحلة حيث تحدد الاتجاه وسرعة الفريق المصاحب لها.

قيادة زحافة تجرّها الكلاب تصبح بمرور الوقت عملية بسيطة، وسرعان ما يألف قادة الزحافات عملية القيادة ويحبون اندفاعها على المسار

ويتم تجهيز كلبين سريعين بالسرج والشدة اللازمة ليسيرا خلف تيبا، بينما يأتي في الصف الثالث كلبان قويّان هما تافي ونيلو اللّذان يحملان عبء حمولة الزحافة بقدرة أكبر من الآخرين.

ويقترب فريق الزحافة سريعا من نوع من الخيام مخروطي الشكل يطلق عليه اسم “كوتي” وهو نوع منتشر في إقليم لابلاند، وتصنع هذه الخيمة من جلود الحيوانات وأعمدة خشبية وكانت تستخدمها القبائل التقليدية في المنطقة.

ويصيح ميكا: “لقد حان وقت تناول طعام الغداء”، ويوجه الزحافات ناحية صفّ من الأشجار ويتم ربط الكلاب في جذوعها، وتبدو خيمة” كوتي” مثل كوخ للهنود الحمر كبير الحجم باستثناء أنها مكسوّة بجلود حيوان الرنّة وهو أمر لا يكاد يثير الدهشة في منطقة يقال إن عدد الحيوانات فيها يفوق عدد البشر.

ويفتش ميكا في جيبه ويخرج قطعتين من النقانق السمينة.ويقول: “إننا سنشوي النقانق الآن حتى نحصل على الطاقة اللازمة لتعيننا على المضي قدما في المرحلة التالية“.

ويشير ميكا إلى التباين بين مختلف سلالات الكلاب وإلى أي من الأنواع يناسب القيام برحلات ذات مسافات طويلة مثل تلك الرحلات التي يقودها.

ويوضح قائلا: “إن جميع كلاب الإسكيمو بشكل عام تحب العدو، وتتوق بعضها إلى العدو بشكل حماسي كما رأيتم”، وتعدو الكلاب ببطء فقط أثناء فصل الصيف أو في الطقس الأكثر دفئا في إقليم لابلاند، ويضيف ميكا أن الكلاب تشعر بأقصى درجات الراحة عندما تنخفض درجة الحرارة إلى 15 تحت الصفر أو أقل من ذلك”.

والطقس السائد حاليا مثالي بالنسبة إلى الكلاب وإن لم يكن مناسبا للبشر، وهذا هو السبب في أن المرحلة الثانية من الرحلة بعد فترة الاستراحة لا تشهد نفس القدر من الحماس الذي شهدته المرحلة الأولى من جانب قائدي الزحافات.

ويرتدي قائدو الزحافات ملابس تغطّي الجسم بأكمله فوق طبقات من ثياب الشتاء السميكة، وتجعلهم هذه الملابس يبدون في شكل غريب وغير أنيق إلى حدّ ما، غير أن مثل هذا المظهر لا يهم كثيرا في هذا المكان حيث أن الحصول على الدفء يأتي في المقام الأول.

وتندفع الكلاب فجأة للعمل فهي شغوفة بالانطلاق، ويبدو أن نباح بعضها يصيب الكلاب الأخرى بالعدوى، ويأخذ قائدو الزحافات أماكنهم ويتركون الفرامل قبل أن تنطلق الكلاب بقوة كما لو كانت تتنافس في سباق.

وتتواصل الرحلة عبر مساحات خالية من البشر وغالبا ما تكون حافلة بالأشجار ومنها أشجار الصنوبر التي تكسوها الثلوج والتي يصل ارتفاعها إلى مبنى من عدة طوابق، وتتدلى فروع هذه الأشجار لدرجة أن قائدي الزحافات يضطرون من حين إلى آخر لحني رؤوسهم.

ويهبط الليل ببطء على المكان ويحين الوقت لتعود الزحافات إلى قواعدها، وتشعر الكلبة تيبا والكلاب التابعة لها بأنها تقترب من البيت، ويبدو أنها بعد ساعات من الاندفاع في الرحلة عبر الطرق الجليدية تضاعف جهودها من أجل الإسراع بالعودة.

17