فنوننا لم تكن محصنة

الخميس 2017/04/27

لأكثر من ربع قرن كنت أرقب مسارات الفنانين التشكيليين العراقيين بحكم عملي في الصحافة ولقرب أكاديمية الفنون الجميلة من مقرّ عملي، دعّمها عملي الأكاديمي في رئاسة جامعة بغداد، وكنت مرغما أن أمارس ولعي بالفن التشكيلي متذوّقا وناقدا له بعين الصحافي الذي يُدعى لجميع معارضه. فكنت حين أشق طريقي اليومي ذهابا وإيابا للجريدة أطالع عملين تشكيليين هما الأهم في بغداد أحدهما نصب الحرية لجواد سليم وجدارية لفايق حسن وكلاهما يمجّدان ثورة يوليو العام 1958، وهذان العملان الأكبر مساحة في العراق درّبا عيون العراقيين على التطلع بدلالاتهما وتحريضهما على الثورة والحرية والانعتاق، يقبعان تحت لهيب الطقس العراقي اليومي.

وبين متحف الفن الحديث وقاعات الرواد ومركز صدام للفنون نُثرت المئات من اللوحات والجداريات والمنحوتات التي تكشف عن حجم ونوع الإبداع وتنوع الرؤى والمشارب التي نهل منها فنانو العراق الرواد والأجيال الذين لاحقتهم، وجاؤوا من كل المحافظات العراقية تقريبا لتكون بغداد ملعب تلاوينهم ورؤاهم وسجل حضورهم ولتكون شاهدا على عصر النهضة التشكيلية يومها التي استمرت لنصف قرن، وفيها أنتجت أسماء خالدة كفائق حسن وخالد الرحال.

إن ميزة النهضة التي حدثت ومازالت بتجارب فردية متواصلة الأثر والمعطى، إنها لم تقتصر على معين واحد أو أسلوب محدد بل هي سلسلة تفاعلات مع عشرات المدارس والأساليب الفنية في العالم، فقد تخطت الجغرافيا والتاريخ لتكون عالمية بجدارة، لو عرضت في أي معرض في العالم ستبهر المتطلع إليها، وهي تدلل على أن التشكيليين العراقيين تجاوزوا كل السائد المحلي ليوّظفوا جماليات البيئة المحلية وتلاوينها وينصبُ في فن عالمي فيه الكثير من الإبداع والإنسانية، فقد كانوا يرسمون لأنفسهم أولا وللناس الذين يتلقون أعمالهم ثانيا، مما ترك أثرا كبيرا في وظيفة تلك الأعمال التي امتلكت صدقا وانطباعا كونها خرجت من أرواحهم ومعاناتهم، وبأساليب متنوعة لا يمكن تأطيرها، وأجد أن من مهمة النقد كشفها، وسبر غور محركاتها ودينامياتها.

السؤال الأهم في مسيرة التشكيل العراقي هل انحدر هو الآخر عن رفعة مقامه كما انحدرت كل القيم الفنية والمعرفية والثقافية في العراق بعد الاحتلال عام 2003، يوم أقتحم اللصوص قاعات الفن التشكيلي العراقي ونهبوا الأعمال الفنية وأخرجوها ورموها في الشوارع ونقلت بعربات الخيل إلى جهات مجهولة؟

أين كان فنانونا ومثقفونا عن تلك اللحظة الفارقة التي أثبتت أن فنوننا وخزائننا ما كانت محصنة بثقة الناس ومحبتهم ولا بوطنيتهم أيضا، ولعل الفن عموما لا يعدو سوى متعة المثقفين والتجار؟

24