فنون التطريز في تونس تبدأ بغرزة

الثلاثاء 2015/05/12
تطويع الأزياء التقليدية بما يجعلها مواكبة للعصر وللتصاميم الحديثة

“التطريز فن جميل يتطلب صبرا ومثابرة كبيرين ويعلّم صاحبه الدّقة في كل شيء”، هكذا تقول سنية الخياري التي قضّت أكثر من 35 سنة في حرفة التطريز بمدينة نابل التونسية.

ومع أنّ فساتين الزفاف التقليدية تتسم بغلاء أسعارها، فإنّ الإقبال عليها ما انفكّ يتزايد، ولو على سبيل التأجير لارتدائها خلال الليلة الموعودة.

تتلمذت الخياري على يد والدتها وجدّتها منذ الصّغر وتعلّمت منهما أصول تطريز اللباس التقليدي الخاص بالعرائس في مدينة نابل، شرق تونس العاصمة.

أنواع عديدة من الأزياء التقليدية النسائية تنتجها الخياري لا تزال تجد رواجا كبيرا، من بينها فساتين الدخلة والمرساويات والتبديلة، تستعمل في حياكتها مواد خاصة لتزيين الثوب التقليدي وزركشته مثل التل والعدس والكونتيل والعقيق، فضلا عن أقمشة الحائك والساتان.

تقول الخياري إن فستان الدخلة يصل سعره إلى 5 آلاف دولار أميركي فما فوق، ممّا جعل إمكانية اقتنائه من قبل أهل العروس أمرا صعبا، لذلك أصبحت العرائس يلتجئن إلى استئجار هذه النوعية الراقية من الفساتين للتزين بها في أعراسهن.

أما سعر زيّ التّبديلة فيتراوح بين ألف وألفي دولار وترتديه العروس في السهرة المخصصة للحناء، وتستعمل سنية في حياكتها خيوطا من الذهب، مشيرة إلى أنّ “سعر 100 جرام من هذا الخيط تتجاوز 360 دينارا تونسيا، أي ما يعادل 200 دولار أميركي، وهي تتطلب من 4 إلى 5 لفائف من هذه الخيوط”.

وتضيف الحرفية أنه رغم تطوّر نسق الحياة والتصاميم والموضة، فإن أهالي نابل ما زالوا متشبثين بارتداء الأزياء التقليدية وتشير الخياري أيضا إلى “أنه تمّ تطويع هذه الأزياء بما يجعلها مواكبة للعصر وللتصاميم الحديثة التي ترغب فيها الفتيات أكثر كأن تتم حياكة ملابس عصرية وتضاف إليها بعض النقوش أو التطريز والحرج”، وهي زينة تحاك على أطراف الفستان، مما يؤدي طبعا إلى “زيادة الطلب عليها في كل الأعراس والمناسبات”.

وحسب الخياري فإن “زي المرساوي تم تغييره الآن بفساتين السهرات والتي تحمل هي الأخرى نزعة تقليدية وعودة إلى التزويق والنقوش التقليدية”.

وعلى الرّغم من عودة التونسيين إلى ملابسهم التراثية فإن “أبرز مشكلة تعترض هذه الحرفة هو عدم وجود يد عاملة قادرة على القيام بمهام التطريز والحياكة ولها من الصبر ما يكفي لإنجاز قطع بدقة وحرفية عالية، ففستان واحد يتطلب منا من 3 أشهر فما أكثر حتى يصبح جاهزا للارتداء”، حسبما تشير سنية الخياري.

وتضيف أن “هناك مشكلة أخرى تكمن في عدم وجود برامج حكومية لتمويل مثل هذه المشاريع، لا سيما بالنسبة إلى المبتدئين، فليس من الهين على حرفي في بداية مشواره أن يكون قادرا على اقتناء مواد أولية باهظة الثمن. كما أن عمله في البداية لن يكون متقنا بالمستوى المطلوب وهو ما يستوجب من البعض الإعادة والتجربة لمرات كثيرة حتى يصل في نهاية المطاف إلى مبتغاه وإلى قطعة تعجب الزبائن ولا سيما العرائس منهم”.

مواد خاصة لتزيين الثوب التقليدي وزركشته

من جانبها، تقول سناء منصور، المندوب الجهوي المساعد للصناعات التّقليدية في محافظة نابل، إنّ “العامل الجغرافي والمناخي ساهم عبر التّاريخ في تنمية الصناعات التقليدية في هذه المنطقة، وذلك لانفتاحها على الحضارات المتوسطية فتوفر الاستقرار النّفسي ساعد سكانها على الإبداع والابتكار في مجالات عديدة وخاصة منها الصناعات التقليدية”.

وتضيف منصور أن أنواع التطريز اشتهرت بأسماء منشأها فنجد غرزة نابل وغرزة الحمامات، وهي مدينة تابعة للمحافظة.

وللمدينة تاريخ عريق في مجال التطريز، إذ تذكر منصور أنه منذ العام 1933 التحقت العديد من الفتيات بمدارس خاصّة بالتطريز بجهة نابل، ومن أهمها ما كانت تسمى “دار المعلّمة” التي كن يتلقين فيها أصول التطريز وكيفية حياكة الأزياء التقليدية المميزة للمنطقة.

يذكر أن عدد الحرفيين المسجلين في مجال حياكة الملابس، بما في ذلك التطريز واللباس والتقليدي يبلغ الألف حرفي يتمركزون بمدن نابل ودار شعبان الفهري والحمامات، بالإضافة إلى حرفيين آخرين ليسوا مسجّلين لدى وزارة السياحة والصناعات التقليدية، وفق ما أكدته المسؤولة.

أما عن برامج الدّعم، فتقول منصور إن “وزارة السياحة تسعى دائما إلى تشجيع الحرفيين خاصّة الشّبان منهم، وتخصيص فضاءات مجانية لهم في معرض الصناعات التقليدية الذي تنظمه المحافظة في شهر أغسطس من كل عام، فقد تم العام الماضي تمكين 10 شبان من بين الحرفيين من عرض منتجاتهم بشكل مجاني من مجموع 127 مشاركا في هذه التظاهرة الوطنية”.

وتضيف أنه “تم تقليص أسعار المشاركة في المعرض من مبلغ يتراوح بين 183 دولارا و208 دولارات إلى 52 و78 دولارا، وذلك بهدف دفع هذه الصناعات التقليدية ودعم الحرفيين وخاصة منهم أصحاب المشاريع الصغرى”.

وحسب المسؤولة فقد تم لأول مرّة تنظيم “معرض التطريز اليدوي واللباس التقليدي” خلال شهر ديسمبر الماضي على مستوى المحافظة، حيث تم تخصيص فضاء متحفي للتعريف باللباس التقليدي ولإشراك صغار الحرفيين، فضلا عن تنظيم أسبوع الصناعات التقليدية الذي نظم في مارس الماضي لأول مرة من أجل النهوض بالصناعة التقليدية بصفة عامة والتعريف باللباس التقليدي بنابل”.

كما تقرّ سناء منصور أيضا بوجود مشكلة اليد العاملة التي تعترض أغلب الحرفيين في مجال الصناعات التّقليدية، وذلك يرجع إلى غزو السلع الأجنبية للسوق التونسية، فضلا عن اندثار مدارس الحرف ممّا أسهم كذلك في تراجع اليد العاملة بصفة كبرى، إضافة إلى تقلّص إقبال الشّباب على الحرف والصناعات التّقليدية لأنها تتطلب صبرا ومثابرة كبيرين.

20