فنون الثورة وثورة الفنون في سوريا

الخميس 2013/08/22
كان للشباب السوري مسرحهم الخاص يعبرون من خلاله عن رغبتهم في الحياة

للمرة الأولى منذ ما يقارب نصف قرن أحس الشباب السوري أنه يمتلك فضاء وطنه بمائه وأرضه وسمائه، فشغل هذا الفضاء بصوته هاتفاً للحرية وكرامة الإنسان وبرسائل رافضة للقمع والاستبداد، وابتكر حلولاً تحمل رسالته إلى الضوء ليختفي سريعاً قبل أن يخفوه (النظام وأمنه) تحت سابع أرض أو في سابع سماء.

كانت البداية مع فن الغرافيتي ولأول مرة في العالم فن الغرافيتي يشعل ثورة، وفي سوريا إنها الأنامل الرقيقة الغضة التي كتبت على جدران مدينة درعا عبارات ما كان السوريون ليتجرؤوا على البوح بها في منازلهم وبين الحيطان الأربعة، فاشتعلت سوريا ثائرة وثارت الحيطان السورية وتحولت إلى ساحات معارك بين المعارضين والسلطة.

الشباب المعارض يكتب الشعارات الثورية والسلطة تمحي وتعتقل وتقتل، وللغرافيتي بانتشاره الواسع وسلميته العالية أهمية أدركها النظام الحاكم فأصدر قراراً يمنع التجار من بيع مادة البخاخ إلا بعد تسجيل بيانات البطاقة الشخصية للشاري، إنه نفس النظام الذي اعتقل وما زال كاتب السيناريو عدنان الزراعي ابن حي بابا عمرو من مدينة حمص الذي كتب حلقة (الرجل البخاخ) في مسلسل بقعة ضوء قبل أعوام من بدء الثورة، والذي قتل في معتقلاته عدداً ممن يلقبون بـ(الرجل البخاخ) لتكون بضع ألوان هربت من عبواتها لتنشر الحياة سبباً في زهق أرواح و سلب حيوات.


أرض وسماء

"الرجل البخاخ" اغتيل يوم 1 مايو 2012


وبعدها تطورت أشكال التعبير وتعددت فحملة (بوالين الحرية لسوريا) التي أُطلقت في عيد الأضحى عام 2011 العام الأول من الثورة حيث تم الاتفاق بأن يكتب أعضاء الحملة ومن يرغب في المشاركة و كل من موقعه داخل الوطن أو خارجه، أسماء الشهداء والمعتقلين وعبارات التنديد بالنظام على بوالين ملونة ليتم إطلاقها في سماء دمشق ومدن أخرى في نفس الوقت فانتشرت البوالين ناشرة رسالة الحرية.

جاء على صفحة المجموعة على موقع التواصل الاجتماعي تبرير لهذا الشكل من أشكال الاحتجاج والتعبير "لأنها تنتمي إلى الفضاء الرحب… إلى حالة الحرية.. إلى حيث تتعلق بها عيون الجميع" وتكررت هذه الفكرة بأكثر من مناسبة، وفي أكثر من مكان وتارة حمل بعضها علم الثورة ليرفرف في سماء سوريا علم الثورة الذي حرضت الرغبة بتعميمه في المجتمع جرأة بعض الشباب الثائر فزين به وبغفلة من رجال الأمن ومن آلة الموت، الجسور التي بناها الأسد الأب وبعثه فرفرف علم الثورة السورية على العديد من الجسور السورية ومنها أهم جسور مدينة دمشق التي يتوسطها والمسمى (جسر الرئيس).


فضاءات ملونة


أليس تلوين الفضاءات العامة فن ثائر وثورة فنية؟ هذا ما قامت به مجموعة "قمح" وهي مجموعة من الشباب السوري الثائر فتارة كان التلوين بالمعنى التقليدي للكلمة حيث قامت المجموعة بصبغ البحيرات الدمشقية باللون الأحمر رمزاً لدماء الشهداء واحتجاجاً على المجازر التي ارتكبها ويرتكبها النظام، وتارة كان التلوين مجازاً فقد لونت المجموعة الهواء بالصوت حين قامت بتشغيل مضخمات الصوت لتصدح بأغاني "القاشوش"، المغني السوري الحموي الذي قتل واستأصلت حنجرته، صدح صوته في حاويات القمامة في أهم تسع مناطق رئيسية في قلب العاصمة السورية دمشق.

في دمشق أيضاً وليس لأن شبابها مختلفون عن سائر الشباب السوري بل لأن القبضة الأمنية محكمة إلى درجة الاختناق، فها هم شباب جبل قاسيون الأبي الذين تعذر عليهم الوصول إلى القصر الرئاسي (الذي يبعد عنهم بضع أمتار) لإيصال صوتهم الصارخ "يسقط النظام"، ابتكروا طقساً مختلفاً فجعلوا من كرات البينغ بونغ رسالتهم لونوها وكتبوا عليها الشعارات المناهضة وأرسلوها من الجادات العليا في الجبل.

صارت الكرات تتدحرج من جادة إلى أخرى وصولاً إلى القصر تلك الحركة التي أصابت رجال الأمن بالارتباك وجعلتهم لاحقاً يقومون بحملة اعتقالات شرسة طالت شباب المنطقة، ولم يكن الرسم والتلوين على هذه الكرات هو الفن بقدر فنية اجتراحهم طريقة مميزة للتعبير.


مسرح داخل المسرح


تحولت سوريا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها وعلى مدى عامين ونصف، مسرحاً لجرائم النظام وضمن هذا المسرح الدامي كان للشباب السوري مسرحهم الخاص يعبرون من خلاله عن رغبتهم في الحياة، وأبلغ أشكال التعبير المسرحي كانت أثناء المظاهرات حيث الجموع تجلس القرفصاء كأنها جموع تجثم على أصداء مدوية من الحرية، جموع تنتظر ولادة صوتها الحر لتتعرف إليه وعليه فيردد المنادي (الهتّيف) عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" لمرتين بصوت منخفض وفي الثالثة تنهض الجموع وتردد الهتاف موصلة صوتها إلى أقصى مدى وقد أطلق على هذه الحالة اسم "الزلزال".

إذا ما رغبنا البقاء في مجال المسرح أو التمثيل فلا بد من الحديث عن حواجز النظام التي كانت تتساهل بمرور السيارات التي بداخلها نساء حاسرات الرأس ظناً أنهن من الأقليات الموالية (كما يعتقدون) مما دفع بالعديد من الناشطات السوريات اللواتي كن يعملن على إيصال الدواء وما تيسر من غذاء إلى المناطق المحاصرة، لوضع مساحيق التجميل وارتداء الملابس الكاشفة إلى حد ما وتمثيل بعض الغنج والدلال (تنكرن بغير هيئاتهن) للمرور عبر تلك الحواجز التي كانت بهدف منع كل أسباب الحياة عن هذه المناطق المحاصرة والمحررة من سيطرتهم.

تفتش السيارات المتجهة إليها تفتيشاً دقيقاً ليس بحثاً عن سلاح وإنما غايتهم علبة دواء أو ربطة خبز وكم من الناشطات دفعن حياتهن ثمناً لرغبتهن في إيصال بعض أسباب الحياة للآخرين! ولا يكتمل المسرح السوري إلا بالموسيقى الخاصة به وعادة ما توضع الأسلحة غير الصالحة للاستعمال في المتاحف الحربية أو أن تصُهر للاستفادة من الحديد والمواد الأخرى المكونة لها أما أن تستعمل بقايا هذه الأسلحة لصنع آلات موسيقية كما حدث في مدينة دوما بريف دمشق حيث حول الشباب السوري بقايا السلاح الذي حمل لهم الموت والألم إلى آلات موسيقية عزفوا عليها نشيد الحرية والكرامة في خضم الحرب البشعة، فكيف لأية قوة على وجه البسيطة أن تهزم شعباً جعل من سبب موته أسباباً للحياة!


كلمة وصورة

الفضاءات العامة فن ثائر وثورة فنية


أما لافتات كفر نبل (المدينة الصغيرة التابعة لمحافظة إدلب) فشكلت حالة خاصة من الخطاب الفكري/ اللغوي البصري/ حيث تكاد ولوحدها أن تؤرخ وتوثق الثورة السورية فهي اللافتات التي اتنظرها الشعب السوري كل يوم جمعة في بداية الثورة ومن ثم يومياً لأنها اللافتات التي تعكس الحراك كاملاً ما يجري منه على الأرض، إضافة إلى توجه وأفعال النظام، والمواقف الدولية بكل تقلباتها وتذبذباتها، ومن ثم المواقف الشعبية من أطياف المعارضة السياسية والعسكرية وكأننا بلافتات كفر نبل مرآة المجتمع السوري الثائر على مدار 24 ساعة وعلى مدى ما يقرب سنتين ونصف.

لافتات كفر نبل تنوعت بين الكاريكاتير السياسي والعبارات التي غالباً ما تُوجه إلى المجتمع الدولي باللغة الإنكليزية وأحياناً بلغات أخرى بحسب الوضع السياسي وأصبحت الأخطاء اللغوية في اللافتات المكتوبة بلغات أجنبية مجالاً للتندر المحبب والانتقاد اللطيف، لتكون هذه اللافتات رسالة سياسية تفوق في أهميتها جل ما أُرسل إلى المجتمع الدولي من رسائل سياسية بالمعنى التقليدي.


حقيقة


نجح النظام السوري في تدمير مدن بأكملها ولكنه في الوقت نفسه ومن حيث لا يدري فجر طاقات إبداعية كانت تحتاج إلى عقود طويلة، والشعب الذي جعل من فوارغ الصواريخ القاتلة أحواضاً لزراعة الأشجار والورود تزين شوارع المناطق المحررة أثبت ويثبت يوما بعد يوم أن قوة الحياة لا تقهرها عنجهية الموت والقتل.

14