فنون المستقبل.. أشكال متحركة بسرعة الضوء

الاثنين 2013/11/25
"الموناليزا" عصية التوصيف

في شهر فبراير/ شباط الماضي أقيم معرض "فنون العصر الجليدي: ظهور العقل البشري الحديث" الذي نظّمه المتحف البريطاني بلندن والذي يمتدّ إلى أربعين ألف سنة في الماضي البعيد.

على الرغم من قدم هذه الأعمال الفنية والنحتية المنفذة على العاج وغيرها من المواد والسطوح التصويرية، إلاّ أنها لا تختلف كثيرا عن الأعمال الفنية المعاصرة لهنري مور وموندريات وماتيس التي شاهدناها جنبا إلى جنب مع منجزات فناني العصر الجليدي، الذي يكشف لنا بما لا يقبل الشك أن هناك حاجة ماسة للفنان على وجه التحديد لأن يُبدع ويتواصل ولا يكف عن عملية الخلق الفني التي تروض شيئا ما بداخله، وتساعده على استغوار نفسه البشرية ومعرفتها بشكل أعمق، وإدراك مكانتها في هذا العالم.

سيادة الإلهام

هل نحن بحاجة إلى مدارس أدبية وفنية وفكرية إذن، أم نحن بحاجة إلى الإبداع في كل الأجناس الأدبية والفنية الموجودة في هذا العالم؟ يتوخى كاتب المقال الوصول إلى حقيقة اللمسة الإبداعية في القصيدة والقصة القصيرة والرواية والمقال الأدبي واللوحة الفنية والمنحوتة والقطعة الموسيقية وما إلى ذلك. فما ينشده المبدع هو تحقيق هذه اللمسة الإبداعية التي تتوارى خلف توصيفات وتعابير غامضة تنطوي على شيء من التشويش والإرباك وذلك لاختلاط معانيها، وغشاوة ألوانها، وصعوبة الإمساك بجوهرها المراوغ. إذن، كل هذه المدارس والحركات والتيارات والموجات الأدبية والفنية والفكرية والفلسفية ما هي إلاّ مراكب طيّعة تقودنا إلى فضاءات محددة سلفا، ولا تمنحنا كل شيء دفعة واحدة. فالكلاسيكية تضعك في إطار الرصانة والتوازن والقوة، وتذكرك بالنسب المثالية كرسومات دافنشي وأعمال مايكل أنجلو، فيما تأخذك الرومانسية إلى مضاربها التلقائية الحرّة، حيث يبدو الخيال أكثر أهمية من المنطق، فيما يتسيّد الإلهام، وتعلو النبرة العاطفية التي تركز على المشاعر والأحاسيس البشرية المرهفة. وإذا كانت التكعيبية تنحصر بالأشكال الهندسية التي تهيمن فيها الخطوط المستقيمة والمنحنية، إضافة إلى الأشكال الإسطوانية والمربعة والمستطيلة، فإن المستقبلية تقاوم الماضي وتصرّ على مواكبة التقدّم العلمي لتجسّده عبر الأشكال المتحركة بسرعة خاطفة للأبصار. كل هذه المدارس الفنية لا تبتغي إلاّ تحقيق شيء واحد وهو الإفصاح عمّا في جعبتها المحدودة. وهذا الأمر ينطبق على القصة والرواية والقصيدة وغيرها من الفنون الأدبية. فما يبحث عنه الكاتب أو الفنان أو المفكر هو "اللمسة الإبداعية" التي تأخذ أشكالا متعددة لا تخلو من المواربة. ففي الفن يمكن أن تكون "النفحة الإبداعية" هي مطمح الفنان أو غايته القصوى. فثمة نفحة فنية في "الموناليزا" لم يحددها النقاد وخبراء الفن حتى هذه اللحظة لأنها عصية على التوصيف، ويصعب الإمساك بها، وهي تماما مثل النفحة الفنية الموجودة في تمثال "ديفيد" لمايكل أنجلو و"مولد فينوس" لبوتشيلي ومئات الأعمال الفنية المميزة التي يصعب حصرها في هذا المجال.


ثيمة مشعة

إذا كانت "الهالة" التي تحيط برسوم القديسين معروفة لأنها مرئية تأخذ غالبا شكل الدائرة التي تحيط بالرأس أو بالجسد كله، فالهالة الإبداعية التي نقصدها تختلف كثيرا عنها، فهي أشبه بالدائرة المتوارية في جنبات العمل الفني أو في طيات النص الأدبي أو الفكري وما على الناقد الحصيف إلاّ البحث عنها، والإمساك بها، وتقديمها إلى القارئ العضوي الذي يتفاعل مع هذا الاكتشاف ويثق به اعتمادا على مخزونه المعرفي في الجوانب الفنية.

ثمة أدباء كبار حققوا هذه اللمسة الإبداعية سواء في ثيمة واحدة أو مجموعة ثيمات رئيسة انطبعت في ذاكرة القارئ وقلبت ذائقته الأدبية. وربما تكون المهيمنة النصية في نوفيلا "الشيخ والبحر" هي أفضل أنموذج للإمساك باللمسة الإبداعية عند إرنست همنغواي حين قال: "الإنسان لم يُخلق للهزيمة؛ ممكن أن يتحطم الإنسان، ولا يمكن هزيمته". لا تستجيب هذه المهيمنة الفكرية إلا للتأويل النفسي الذي يفصح من طرف خفي عن عار "الاندحار" حتى وإن كان موجودا على أرض الواقع.

ففي هذه النوفيلا لم يندحر الشيخ على الرغم من أن أسماك القرش نهشت سمكته الكبيرة، ولم تبق منها سوى هيكلها العظمي. إذن، ثمة فكرة مشعّة تبدأ من أول النص ولا تنطفئ في نهايته، كما أن هذا الضوء الإبداعي هو الذي يتخلل إلى البنية المعمارية للرواية ولا يغيب عنها مطلقا، وهو أشبه بالهالة المستديرة التي تحيط بجسد القديس كله، وليس رأسه فقط.

إن المراوحة ضمن أطر المدارس والتيارات الفنية والأدبية آنفة الذكر، قد لا يسفر بالضرورة عن أعمال إبداعية كبيرة، لأن اللمسة الإبداعية التي نحن بصددها تحتاج إلى ثيمة مشعة تضيء عتمة الذهن البشري لمدة طويلة من الزمن، وتغيّر ذائقته الفنية والأدبية، وتعطي الحياة معنى جديدا.

إن فنان العصر الجليدي الذي أشرنا إليه قبل قليل كان يبحث عن هذه النفحة الإبداعية وحين حققها في مئات وربما آلاف الأعمال الفنية، حافظ عليها بطريقة عجيبة تكشف عن أهمية الجهد الإبداعي البشري، فلقد أدرك الفنان المبدع قبل أربعين ألف سنة أنه خلق تحفا فنية أصيلة ساعدته على إدراك أسرار نفسه البشرية وخباياها لذلك حافظ عليها بطريقة لافتة للانتباه، إذ لم يكتفِ بوضعها في الكهوف والمغاور فحسب، وإنما حفر لها أنفاقا عميقة كي يضمن وصولها إلى الأجيال اللاحقة لا لشيء إلاّ لأنها تمتلك اللمسة الإبداعية التي تترك أثرا عميقا لدى المتلقين، وتمنحهم فرصة نادرة للولوج إلى عالم الفتنة والدهشة والخيال.

16