فنون المعماريين اليمنيين سبقت عصرها.. هل تضيعها الحرب

أثبتت الدراسات التاريخية والعلوم الحديثة أن الأجيال المتعاقبة لا تتوارث المنقولات المادية والآثار فقط، بل إن الذاكرة البشرية تنقل من الأجداد إلى الأحفاد العادات والتقاليد وجميع المكونات الثقافية، وهو ما يحفظ هوية الشعوب ويحافظ على اختلافاتها وطابعها الثقافي الخاص حتى في ظل العولمة.
الاثنين 2015/06/22
أجيال اليمنيين الصغار يجب أن يتوارثوا براعة وموهبة أجدادهم في فنون العمارة

لندن – تتعرض الآثار للدمار والتلف إما بعامل الزمن أو بسبب الحروب أو السرقة وهو ما لقيته آثار اليمن، أما الثقافة والذاكرة الشعبية اليمنية فهي قادرة على الصمود حتى في زمن الحرب، وقادرة على حفظ إرث الأجداد الثقافي. هذا ما تؤكده النظريات العلمية القائلة أن الجينات البشرية تنقل الطباع والمواهب وحتى الذوق والنزوع نحو الإبداع، كما أن الذاكرة تختزن الصور التي يتربى عليها الإنسان بما فيها صور الممارسات الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها.

هكذا تصبح الذاكرة البشرية مسؤولة على حفظ الموروث الشعبي ونقله من جيل لآخر، إلى جانب ما تنقله الآثار والأرشيف، وهكذا سينقل اليمنيون اليوم ما ورثوه عن أجدادهم لأجيال المستقبل. جيل اليوم ورث على مر العصور عادات وتقاليد وفنون وحرف متنوعة وثرية سيمررها بدوره لأجيال المستقبل، وبذلك تلعب الذاكرة الجماعية دورها في حفظ هوية الشعب اليمني الذي يتعرض تاريخه اليوم وفي ظل النزاع المسلح إلى أضرار جسيمة.

كان اليمن يلقب باليمن السعيد، نظرا لازدهار الثقافة والعلوم فيه ولسعادة شعبه بخيراته، ولليمنيين ما يزيد عن مئة رقصة تقليدية كدليل على براعة أبنائه في هذا الفن وما يرتبط به من موسيقى وغناء. كما برع اليمنيون القدامى في العمارة والبناء وكانوا سابقين لعصرهم.

ومنذ عقود شيد المعماريون اليمنيون بناياتهم بتقنيات العزل الحراري التي مازال المهندسون اليوم يستكشفون تقنياته ويعملون على نشر طرقها الحديث.

فنون حرفيي البناء اليمنيين القدماء لم تتوقف عند الإبداع في الزخرفة ولا عند جمال البنايات من الداخل والخارج، بل إنهم أبدعوا في اعتماد مواد خاصة تتيحها بيئة اليمن الثرية حيث تجعل البناء صلبا وقادرا على البقاء طويلا دون أن تضره العوامل الطبيعية والمناخ. وإلى جانب صلابة البناءات توفر هذه المواد من خلال طرق خاصة في خلطها وإعدادها رفاهية السكن، حيث لا تمر حرارة أو برودة الطقس إلى داخل المبنى.

كما ابتكر معماريو اليمن البنايات العمودية أي البناء متعدد الطوابق ، وهم أول من شيّد ناطحات السحاب في العالم حيث يعود تاريخ بعضها إلى 2500 عام، ما جعل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة تضم المدينة القديمة في العاصمة صنعاء إلى قائمة الإرث الثقافي الإنساني العالمي، نظرا للعدد الكبير الذي تحتويه من المباني التاريخية متعدّدة الطوابق، وهي موجودة في منطقة “باب اليمن” التاريخية وفي عديد المناطق الأخرى، فضلا عما تتمتع به المدينة من قيمة تراثية فريدة لما فيها من آثار عثمانية ومساجد شيّدها المسلمون على مرّ القرون.

العمارة الطينية ميزة العمارة اليمنية وهي مدرجة ضمن التراث العالمي، وهي أحد أهم مقومات الإرث الحضاري العالمي

غير أن هذه البنايات العبقرية وغيرها من البنايات التاريخية، كتلك الموجودة في مدينة صعدة شمال اليمن تعرضت لأضرار بالغة، مثل التي لحقت بجامع الهادي الذي يعود تاريخه إلى 1200 عام، وسويت بالأرض مبان قديمة من الجص في مدينة زبيد المطلة على البحر الأحمر، التي اشتهرت بتجارة البن في القرون الوسطى. بينما فقدت مدينة براقش القديمة شمال اليمن جزءا هاما من معالمها التاريخية، وقد كانت عاصمة إمبراطورية تجارية ينطلق منها البخور العربي ليعبق في أجواء معابد الدولة اليونانية والرومانية. كما لحقت أضرار جسيمة بقلعة عثمانية بنيت بالحجر الأبيض على قمة جبلية مطلة على مدينة تعز.

وفيما تتصاعد حدة النزاع في اليمن، وتدمر الآثار تحث منظمة اليونسكو، على حماية التراث الثقافي للبلاد. وقد صرحت المديرة العامة إيرينا بوكوفا “أن التراث الثقافي لأي أمة من الأمم إنما يعتبر أمرا أساسيا لمواطنيها فيما يتعلق بالحفاظ على هويتهم، والاستفادة من مظاهر تنوعهم وتاريخهم، فضلا عن بناء مستقبل لهم ينعم بالسلام. كما أن التراث الثقافي لليمن تراث فريد من نوعه، إذ يعكس قرونا من الفكر الإسلامي والتبادل والحوار المثمرين، ومن ثم فعلى الشعب اليمني، أن يبذل كل الجهود الممكنة لحماية التراث الثقافي النفيس لبلاده”.

سمات الفن المعماري اليمني التقليدي، المخلدة في هذه البنايات كانت أكبر المتضررين، هذا ما يضاعف مسؤولية اليمنيين اليوم في بذل ما بوسعهم لتوريث أبنائهم موروثهم الثقافي والحرفي بما فيه من فنون وتقنيات. فتميز تاريخ اليمن ينبع من إرثه المعماري الذي يعد جزءا لا يتجزأ من ثروته الثقافية.

ويظهر نبوغ هؤلاء الحرفيين من خلال استعمالهم لمواد بناء مختلفة عن غيرها في بقية الدول العالم، وهي مأخوذة من الطبيعة والجبال والأرض المحيطة بهم. وبخلطات، وصفها مختصون في المعمار بالسحرية، شيدوا مساكن وعمارات وأبراجا وبيوتا ومساجد صمدت لقرون، كما توفرت على جوانب الرفاه. فنجد في اليمن منازل يعود تاريخ بناء بعضها إلى أكثر من 500 عام، ومع ذلك لا تزال مسكونة إلى غاية اليوم.

من ناحية أخرى تعد العمارة الطينية ميزة العمارة اليمنية، وهي مدرجة ضمن التراث العالمي فهي أحد أهم مقومات الإرث الحضاري العالمي حيث تفرد البناءون باعتماد الطين كمادة أساسية في البناء، ولم يكن ذلك اعتباطا إذ أن مادة الطين ناتجة عن تحلل الصخور النارية وهي سبب صلابتها. كما يعد الطين من أفضل المواد العازلة للحرارة ويتكون النقي منه أو ما يطلق عليه “الصلصال” من تشكيل معقد من السيلكون والألومونيوم والهيدروجين وهو ما يجعله لا يمرر الحرارة إلى داخل المباني.

وبحسب المؤرخين، فاليمن وعاصمتها صنعاء أصبحت مأهولة بالسكان منذ أكثر من 2500 سنة. وتحولت المدينة في القرنين السابع والثامن إلى مركز لنشر الإسلام، فحافظت على تراث ديني وسياسي يتجلى في 106 مساجد و21 حماما و6500 منزل تعود إلى ما قبل القرن الحادي عشر، إلى جانب المساكن البرجية المتعددة الطوابق ومنازل الآجر. وتمثل اليمن إلى اليوم نمطا معماريا متفردا في العالم القديم، لفت أنظار كل شغوف باستقصاء أسرار فن العمارة.

12