"فنون" تناول الطعام أنجع من الحميات القاسية

أبحاث تشير إلى طرق تناول الطعام وأوقات الوجبات، يمكن أن تكون من أفضل الحلول التي قد تساعد من يتبعها على التخفيف من وزنه وتمنع عودة هذا الوزن.
الأحد 2019/08/18
العلماء ربطوا بين تناول الطعام في أوقات متأخرة من الليل بزيادة الوزن

الأجدى من الحميات القاسية هو اتباع مجموعة من “الفنون” أو الاستراتيجيات التي قد تساعد على تخفيض الوزن، وتجعل الإنسان يتناول كميات أقل من الطعام وتتيح له فرصة للاستمتاع بأطباقه المفضلة، مع المحافظة على قدر من التفاؤل وتقبل حقيقة أنه لا يوجد حلّ سحري للحصول على جسم مثالي.

 يتطلع معظم الأشخاص الذين يعانون من البدانة أو الوزن الزائد إلى حلول خارقة تجعلهم يتخلصون من الكيلوغرامات الزائدة في أوزانهم، والتمتع بأجساد أنحف وأكثر لياقة وصحة، ومن أكثر أمنياتهم أن تكون تلك الحلول سهلة ولا تنطوي على حرمان من تناول أطباقهم المفضلة.

إلا أن خبراء التغذية يقدمون منذ عقود طويلة من الزمن النصيحة نفسها وهي ضرورة “تناول طعام أقل، وممارسة أكثر للرياضة”، لكن الالتزام لا يبدو بالأمر السهل، وخاصة في ظل نمط الحياة العصرية، والغذاء السريع وتراجع العادات المنظمة لتناول الغذاء التقليدي.

وبينما يتبع البعض أنظمة غذائية توصف بـ”القاسية” من أجل تخفيض الوزن والحصول على قوام رشيق، فإن البعض الآخر يجرب حميات متعددة ولا ينجح في الغالب في الالتزام بأي منها.

لكنْ ثمة أبحاث جديدة أثبتت أن طرق تناول الطعام، وأوقات الوجبات، يمكن أن تكون من أفضل الحلول التي قد تساعد من يتبعها على التخفيف من وزنه وتمنع عودة هذا الوزن.

ويعكف الخبراء الآن على البحث في ما إذا كانت عاداتنا الغذائية، من بينها الأوقات غير المنتظمة في تناول الوجبات والأكل المتأخر، لا تشكل خيارات مثالية لإيقاعاتنا الداخلية.

وربط البعض من العلماء تناول الطعام في أوقات متأخرة من الليل بزيادة الوزن، وذلك لترجيحهم أن الجسم لا يجد وقتا كافيا لحرق هذه السعرات الحرارية، لكن يبدو أن المسألة أكثر تشابكا مما يعتقدون.

ويعتزم البعض من الباحثين تعميق أبحاثهم حول كيفية حدوث هذا التأثير، ولكنهم متأكدون بأن إيقاع الساعة البيولوجية للجسم ودرجة حرارته والهرمونات تلعب دورا في كيفية اكتساب الجسم للوزن الزائد.

وقالت جيردا بوت، المحاضرة المتخصصة في علوم التغذية بكلية كينغز كوليدج لندن، التي تدرس إعادة تأهيل النظام الغذائي “لدينا ساعة بيولوجية للجسم، فمثلا تناول وجبة كبيرة في المساء هو في الواقع، وفي ما يتعلق بالتمثيل الغذائي، خيار ليس مناسبا، لأن جسمك بدأ يتأهب لليل”.

وتشير بعض الأدلة إلى أن كمية الطاقة التي يستهلكها الجسم في معالجة الطعام الذي نتناوله في الصباح، تفوق ما يستهلكه في معالجة الطعام الذي يتناوله الناس في ساعة متأخرة من الليل، أي أن أجسامهم تحرق كميات أكبر من السعرات الحرارية إذا تناولوا الطعام في ساعات مبكرة من النهار.

فترات النوم القصيرة تزيد الرغبة في تناول الوجبات الخفيفة بين وجبات الطعام الرئيسية وتزيد الإفراط في تناول الطعام

لكن ثمة تفسير آخر مفاده أن تناول الطعام في ساعات متأخرة من الليل، يقلص الوقت المتاح للجهاز الهضمي ليستريح ويستعيد نشاطه، وكذلك الوقت المتاح للجسم لحرق الدهون، إذ لا تحدث التفاعلات الكيميائية لحرق الدهون إلا عندما تدرك أعضاء الجسم أننا توقفنا عن تناول الطعام.

ويقول جوناثان جونستون، المتخصص في دراسة العلاقة بين الساعة البيولوجية والطعام بجامعة سري في بريطانيا، إن “الناس يفترضون أحيانا أن التفاعلات الكيميائية في أجسامنا تتوقف أثناء النوم، لكن هذا ليس صحيحا”.

ويضيف “إذا أمكننا القول إنه لا يتعين عليك بالضرورة تغيير كثير مما تأكله، ولكن إذا تمكنت فقط من تغيير أوقات تناول الطعام، فإن هذا التغيير الطفيف في حدّ ذاته يمكن أن يشكل عنصرا مهما في طرق تحسين وضعنا الصحي”.

وقد خلص ساتشين باندا، العالم البيولوجي بمعهد سالك بولاية كاليفورنيا الأميركية في أحد أبحاثه التي أجراها حول توقيت تناول الوجبات، إلى أن الغالبية العظمى من الأميركيين يتناولون الطعام على مدار 15 ساعة أو أكثر يوميا، ويستهلكون أكثر من ثلث السعرات الحرارية اليومية بعد السادسة مساء، وهذا يختلف عن نمط حياة أجدادنا قبل اختراع المصباح الكهربائي.

ويقول باندا مؤلف كتاب “شفرة الإيقاع اليومي”، إن طلاب الجامعات قلّما يخلدون إلى النوم قبل منتصف الليل، وربما يأكلون ويشربون قبل النوم مباشرة. ويضطر الكثيرون للاستيقاظ مبكرا في اليوم التالي لحضور المحاضرات، وإذا تناولوا الإفطار بعد الاستيقاظ مباشرة، سيقلصون الفترة التي يفترض أن يمتنعوا فيها عن تناول الطعام.

وربما لا يأخذون أيضا كفايتهم من النوم، ومن المعروف أن قلة النوم تزيد من احتمالات الإصابة بالسمنة وتضعف القدرة على اتخاذ القرارات والسيطرة على النفس، ومن ثم يقبلون على أطعمة قليلة النفع قد تزيد معدلات الهرمونات التي تدفعنهم إلى تناول المزيد من الأطعمة.

وأشار الخبراء إلى أن هناك أدلة على أن نحو 40 بالمئة ممن هم في نطاق الوزن الطبيعي يعانون من مشاكل في التمثيل الغذائي كالتي يعاني منها المصابون بالسمنة.

وتوصلت دارسة أعدتها جامعة غلاسغو إلى أن اضطراب أنماط النوم يزيد من مخاطر التعرض لزيادة الوزن لدى من لديهم استعداد وراثي للإصابة بالبدانة.

وبحث العلماء آثار التقليل من النوم لأقل من سبع ساعات في الليلة الواحدة، والإفراط فيه بما يزيد عن تسع ساعات إلى جانب أخذ قسط من النوم أثناء النهار، والعمل بنظام النوبات.

وخلص الباحثون إلى أن من يعانون مخاطر وراثية عالية للإصابة بالبدانة، سواء الذين يفرطون في النوم أو يقللون منه، يزيد لديهم خطر زيادة الوزن، مقارنة بالذين ينامون فترات طبيعية تتراوح من سبع إلى تسع ساعات في الليلة.

توقيت أكل الوجبات يساعد في التحكم في الوزن
توقيت أكل الوجبات يساعد في التحكم في الوزن

وأشارت النتائج إلى أن الذين ينامون لساعات طويلة ممن يعانون خطر الإصابة بالبدانة كانت أوزانهم أثقل بنحو أربعة كيلوغرامات، في حين كانت أوزان الذين ينامون لساعات قليلة أثقل بنحو كيلوغرامين من أولئك الذين يعانون مخاطر وراثية عالية للإصابة بالبدانة وينامون لفترات طبيعية.

وأكد الفريق البحثي أن الآثار السلبية ظهرت دون وجود أي علاقة بنوعية الطعام الذي تناولوه، أو مخاوفهم الصحية، أو العوامل الاجتماعية والديموغرافية.

وقال كارلوس سيليس، المشارك في الدراسة “يبدو أن الذين يعانون مخاطر عالية للإصابة بالبدانة في حاجة إلى أن يكونوا أكثر حرصا إزاء العوامل المرتبطة بنمط الحياة للحفاظ على وزن صحي للجسم”.

وتابع أن “البيانات تشير إلى أن النوم من العوامل الأخرى التي نحتاج إلى العناية بها، إلى جانب النظام الغذائي والنشاط البدني”.

كما تتسبب قلة النوم أيضا في إحداث تغييرات في مستويات هرمونات الجوع، إذ يقل مستوى مادة الليبتين في الدماغ، وهي المسؤولة عن تنظيم الجرعات والإشارات الخاصة بالطعام عندما يكون لدى الأشخاص ما يكفي منه في أمعائهم، بينما ترتفع مستويات مادة الغريلين المسؤولة عن تحفيز الشهية، وإنتاج الدهون، ونمو الجسم.

وتشير البحوث إلى أن تلك التغييرات تسبب شعورا أكثر بالجوع بنسبة 24 في المئة، وتزيد نسبة الرغبة في تناول الطعام بشكل عام إلى 23 في المئة.

كما تؤدي إلى وجود رغبة أكثر في تناول الأطعمة الغنية بالدهون والكربوهيدرات بنسبة 33 في المئة، وهو ما يجعلهم يشعرون بأنهم لم يتناولوا ما يكفي من الطعام، وبالتالي يشجعهم على زيادة كمية أكثر من الطعام.

كما تبين أيضا أن فترات النوم القصيرة تزيد لديهم الرغبة في تناول الوجبات الخفيفة بين وجبات الطعام الرئيسية، وتجعلهم يفرطون في تناول الطعام، وتناول كميات أقل من الخضروات، ويشترون المزيد من الوجبات السريعة والأطعمة المختلفة بشكل عام.

ويقول فريد توريك من مركز نورثويسترن للنوم وبيولوجيا ساعة الجسم حيث أجريت الدراسة “إن كيفية وأسباب زيادة الوزن معقدة، إلا أنه من الواضح أنها ليست مسألة مجرد سعرات حرارية يستهلكها الجسم”.

وثمة أدلة علمية أخرى تشير إلى أن التمهل في تناول الطعام يتيح الوقت لمؤشرات الشعور الطبيعي بالامتلاء في الجسم لتبدأ القيام بوظيفتها.

وأوضحت دراسة حديثة تتبعت عينة من الأشخاص على امتداد ست سنوات، أن الذين يأكلون الطعام ببطء يشعرون بالشبع في الوقت المناسب ويحصلون على سعرات حرارية أقل، فيما يواصل الأشخاص الذين يأكلون بسرعة، رغم حصولهم على السعرات الحرارية التي تحتاجها أجسامهم.

وقال الدكتور سيمون كورك، من قسم التمثيل الغذائي في جامعة “إمبريال” اللندنية، إن “هذه الدراسة مهمة وتؤكد ما كنا نعتقد، فتناول الطعام ببطء يرتبط بفقدان الوزن عكس الأكل بسرعة”.

وفي نفس الصدد، اكتشف علماء الأغذية أن استهلاك كميات قليلة من الطعام يحافظ على ذكاء الإنسان ويزيده تركيزا واستيعابا.

وأوضح العلماء أنه بإمكان الأشخاص وكبار السن المحافظة على ذكائهم، وقوتهم الذهنية لوقت أطول، وذلك إذا اختصروا الكميات التي يتناولونها من الطعام.

لذلك ربما الأجدى من الحميات القاسية هو اتباع هذه المجموعة من “الفنون” أو الاستراتيجيات التي قد تساعد على تخفيض وزن الجسم، وتجعل الإنسان يتناول كميات أقل من الطعام وتتيح له فرصة للاستمتاع بأطباقه المفضلة، مع الحفاظ على قدر من التفاؤل وتقبل حقيقة أنه لا يوجد حل سحري للحصول على جسم مثالي.

وهناك أيضا مقولة قديمة مهمة جاءت على لسان جيردا بوت، وهي “تناول فطورك كملك، وغذاءك كأمير، لكن لتكن وجبة العشاء كفقير”.

18