"فن أبوظبي 2013".. الإبداع الحداثي يتجسد أشكالا وألوانا

الجمعة 2013/11/29
"شيفرة الحياة" للفنان السعودي باسم الشرقي

أبوظبي - جسد "فن أبوظبي" في أيامه التي تراوحت بين 20 و23 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري على أرض منارة السعديات بأبوظبي، كل الاتجاهات الفنية المعاصرة والحديثة في مختلف أنواع الفنون، محتفيا في دورته الخامسة بالفنان المبدع من شتى أنحاء العالم، لإبراز ماهية الحركات الجديدة في الفن وتصوراتها المستقبلية للمرحلة المقبلة.

يواجه المتلقي أثناء جولته في قاعات الحدث، أنماطا غير اعتيادية وغير تقليدية من الفن التشكيلي، إذ تمّ استحضار أعمال فنانين حداثيين يتخذون من الحياة موطنا للفن. الشيء الذي تبنته جميع صالات العرض المشاركة دون استثناء وحاولت أن تقدمه للجمهور. لذا كان من الطبيعي جدا أن نجد أنفسنا واقفين أمام أعمال في غاية الحداثة تكاد تكون أقرب للابتكارات الذهنية أكثر منها إلى الفن التشكيلي، خاصة وأن الفنانين المشاركين تمتعوا في غالبيتهم بميزة الاختراع بناءً على المنظور الشكلي للأشياء أو المضمون العام لها.

تناثرات الحياة


الاعتماد على التركيب صفة أساسية يمكن أن تتصف بها كل الأعمال الفنية المشاركة، الشرقية منها والغربية على حدّ سواء. حيث تمّ تقديم أعمال تقوم أفكارها على توظيف المادة ضمن مساحة خاصة بها وجديدة تقلب الغرض الوظيفي للقطعة الأساسية وتقدمها في قالب فني جديد، تماما كالذي شاهدناه لدى الفنان السعودي طلال الزيد داخل صالة عرض "لام جاليري" في عمله الوحيد الذي اعتمد فيه على عجلات السيارات المتناثرة هنا وهناك. ويقول الزيد: "كل ما هو موجود أمامكم هو بقايا عجلات تقطعت بفعل حوادث مرورية كان سببها الأول والأخير السرعة. وعندما تصل العجلة إلى الحالة التي عليها الآن، لا بدّ وأن يكون الحادث عنيفا، راحت ضحيته أرواح ربما. ولقد فكرت في جمع هذه المتناثرات لأصنع منها عملا فنيا تركيبيا يحيلنا إلى الموت والحياة".

ويضيف: "على الرغم من أن المواد المستخدمة هي نتيجة لفعل مأساوي، إلا أنني وبألواني الفاقعة التي أضفتها إليها، أجسّد الحياة. قبل الحادث كانت هناك حياة لكنها تلاشت بفعله. وإني هنا أراقب امتداد الزمن مع اللون والمساحة والمادة، وأراقب أيضا حيرة المتفرجين وأحاول أن أستمع إلى تحليلاتهم حول هذا العمل".

المفارقة ذاتها بين طبيعة المواد المستخدمة ووظيفتها الجديدة نجدها لدى الفنان اللبناني نديم كرم في عمله "الغيمة، الصياد والمدن المتحوّلة" كوجهة نظر تكاد تكون سريالية للمدينة الآن وهنا، وماهية التحولات التي تطرأ عليها خاصة في مثل المدن الحديثة التي تحتوي في مساحاتها الكبيرة على ناطحات سحاب توازي الغيمة أو أعلى منها. قدّم كرم عمله الذي صنعه من الفولاذ المقاوم للصدإ مع بعض الرمل في جناح "غاليري أيام".

صفة عامة أخرى قد نستطيع إسقاطها على كل الأعمال المشاركة، تتمثل في ندرة وجود لوحات فنية خالصة بالمعنى الكلاسيكي التقليدي المتعارف عليه أو الشائع لدينا. فمعظم ما وجد في أجنحة صالات العرض اعتمد على التركيب وتوظيف المادة حتى في صناعة اللوحات التشكيلية التي تصلح لأن تعلق على الحائط. ما يحيلنا إلى أن الفن المعاصر والحداثي اتجه إلى الحياة بكافة عناصرها وأغراضها مهما كانت مهملة أو بسيطة، ليكوّن مواده الفنية الهجينة والمختلطة، فمن الطبيعي أن نجد الرسم إلى جانب النحت إلى جانب الحفر إلى جانب أنواع أخرى.

مزيج فني

الفن التركيبي بمعناه الواضح المنطلق من "البوب آرت" تراه في عمل "شيفرة الحياة" للفنان السعودي باسم الشرقي. والذي ركّز من خلاله على الحياة بكل تفاصيلها المعيشة يوميا في مجتمعاتنا الشرقية أو العربية. فقد مزج في تقسيماتها بين الماركات المسجلة والتي نتعامل معها بشكلٍ اعتيادي وبين التطريزات والنقوش ذات الارتباط ببيئاتنا الاجتماعية. فكانت علبة "الكوكا كولا" بهيئتها المعدنية جنبا إلى جنب مع الأقمشة المتعارف عليها ومع بعض الأرقام والرموز التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من معاملاتنا بغض النظر عن ماهيتها. إنه وإذ يقدّم عملا بهذه الصورة يقول للمتلقي إنك اليوم هجين بين الثقافات الأصيلة الماضية وبين ما تفرضه عليك الحياة المعاصرة من استهلاكية وتشيُّؤ.

بدوره قدم Art Hub المتواجد في أبوظبي، عملا للفنان بيير كوفمان عبّر فيه عن تجانس الكتلة مع الفراغ في انعكاسات للشكل بأكثر من طريقة. ويشكّل اللون في هذه المنحوتة التي استخدم في صناعتها أكثر من مادة، تحديا في تماهيه مع الكتلة ضمن الفراغ المحيط والذي يمكن أن يكون منقسما لعدة أجزاء. إن هذا العمل يقدّم صيغة مدروسة وحقيقية عن العمل الفني المعاصر من خلال وجهة نظر فنان يعتبر اللون أحد أهم عناصر الحياة.

وتأكيدا على تفاعله مع الزوار يقدّم "فن أبوظبي" خلال هذه الدورة الفرصة لمقتني الأعمال الفنية والزوار للحصول على معلومات حول الأعمال الفنية المعروضة في قاعات العرض. وبالإمكان الحصول على هذه المعلومات من خلال الهواتف الذكية أو الكمبيوتر اللوحي باستخدام تقنية رمز الاستجابة السريع أو الرمز المربع. حيث تمثل الصالات العارضة نخبة من مقتني الأعمال الفنية. وتقدم أعمالا استثنائية لمجموعة من الفنانين المعروفين والناشئين على حدّ سواء.

16