فن الاختبار المرهق للسلطة في الجزائر

الأحد 2017/08/27

الجزائر، البلد الذي اختبر مشروع الإصلاح وبناء نموذج صناعي متطور مع رؤساء ذوي قدرة قبل حقبة الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، اختار طريقا آخر غير الإصلاح.

اللافت في البنية الإصلاحية لنظام الحكم في الدولة النفطية أنها باتت مركزة على اختبار ضيق الزاوية، حاد الرؤية، تابع أكثر من كونه قائدا ملهما لما سيكون عليه المواطنون بالمستقبل القريب البعيد.

لكن ما هي حقيقة هذا الاختبار؟

“الاختبار المرهق” شعار جاد للحكومات المفترضة التي بنت تصوّراتها للمستقبل على فكرة الرجل الأوحد. الرجل الأوحد في الجزائر من المفروض أن يكون عبدالعزيز بوتفليقة، لكن الواقع يشي بعكس ذلك، فالرجل المريض والمرهق أيضا تاهت الدولة في ثنايا اللوبيات المحيطة به.

للحديث أبعاد ومغاز يعمل القائمون في الجزائر على تتبع أثرها ويطرحون تساؤلات ملحّة وجوهرية عن مصير بلادهم ومستقبلها.

من حق الجزائريين أن يتفاعلوا وأن يتساءلوا عن أسباب التغيير. كما من حقهم أن يتساءلوا أيضا عن ثروات بلادهم وعن الفساد الذي يضرب قطاعات واسعة لدرجة أنهكت الاقتصاد وجعلته رهين عناصر متنفّذة في الدولة وعصابات ارتهن أغلبها للمال السياسي الفاسد.

الجدل يجد صداه في التداخل الظاهر بين المال والسلطة الذي يعود للواجهة بعد إعفاء عبدالمجيد تبون من رئاسة الوزراء، وبعد أقل من ثلاثة أشهر على توليه المنصب، في ظل تكهنات وتنبؤات أرجعها الكثيرون إلى نزاعه مع رجال أعمال في القطاع الخاص من المقربين من دوائر السلطة.

ملامح نزاع الحكومة التي قادها تبون لقرابة ثلاثة أشهر مع التكتل المالي الذي يضم رجال المال والأعمال ظهرت عندما عرض الرجل على البرلمان مخطط حكومته يوم 20 يونيو 2017، وصرّح حينها بأنّه سيعمل على فصل المال عن السلطة. كان هذا التصريح معبّرا عن لحظة سقوط تبون وتهاوي حكومته من وجهة نظر العديد من الخبراء والمهتمين بالشأن الجزائري.

اليد ممدودة لانتشال البلاد أم لمزيد إغراقها

وبحسب مراقبين فإن النزاع كان بدأ فعليا بين حكومة تبون ورجال الأعمال عندما هدّدت تلك الحكومة بسحب مشاريع ينفذها رجال أعمال على رأسهم رئيس منتدى المؤسسات، وهو أكبر تنظيم لأرباب العمل في البلاد، علي حداد المقرب من سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس ومستشاره الخاص. وعلي حداد هو أيضا صاحب أكبر مجمع شركات للبناء والإنشاءات العامة والريّ في الجزائر ويوصف بأنه رجل مقرّب من الرئاسة.

إقالة تبون فتحت الأبواب على مصراعيها في الجزائر وكشفت الكامن في أجهزة الدولة من نفوذ لسلطة المال الفاسد وتغلغله في الخواصر الضيّقة للدولة.

اللافت أنه بعد أيام من أزمة تبون مع الحدّاد ورجاله أفادت قناة “النهار” الخاصة بأن الرئاسة الجزائرية وجهت انتقادات لاذعة لتبون تتّهمه فيها بـ”التحرش” برجال الأعمال وأنه يجب أن يكف عن مهاجمتهم والاحتكام للقانون والعودة للرئاسة فيما يتعلق بالقرارات الهامة التي تمس الاقتصاد والسياسة.

مقاربة السلطة في الجزائر خضعت لتكييفات ومضادات وربما لتنسيقات في الدوائر المغلقة للدولة أفضت نتائجها إلى حصر الرجل وتضييق الخناق عليه ليتم إسقاطه في ما بعد. لكن السؤال الأهم بعد تولّي الرجل المخضرم المحسوب على دوائر السلطة في الجزائر أحمد أويحيى، هل ينجح الأخير في اختبار الأولوية والمفخخات وزرع الألغام في بلاده؟

عناصر عديدة وتصوّرات تطرح في هكذا مستوى من المرور السلس للسلطة في الجزائر، لكنها في المقابل تطرح العديد من التحديات والمنغّصات التي سيفرض على أويحيى التعامل معها بحكمة ورويّة، وهو المحنك في هذا الجانب.

التركة الطويلة للدولة في الفساد وصراع اللوبيات، على كثرة ملفاتها المخفية منها والمكشوفة تُبين عن خيط ناظم بين العديد من فقرات التماهي في الأساليب تلوح أحيانا في الحكمة والتروّي اللذين يمتلكهما الرجل العليم بدسائس الميدان والخبير بكل ركن فيه لدرجة أهلته ليكون رائدا في تفكيك الألغام المزروعة وكشف مواطنها.

لكن ماذا يتعين على أويحيى فعله مستقبلا؟

أويحيى الذي جاء في ظرفية ربما حتى القدر لم يشأ اختياره ليكون الشخص المناسب لها، ورغم قبوله للخطة وتقديمه لتشكيلة حكومته الجديدة، إلا أن متابعين للشأن الجزائري يرون أن الحكومة الجديدة ينتظرها إرث قديم يعود إلى حقبة واسعة من الفساد والتحديات الاقتصادية الهامة وجب على أويحيى حلّها والتعامل معها بإيجابية. فالحكومة الجديدة تواجه تحديات ورهانات كبيرة وسط وضع اقتصادي وسياسي واجتماعي يوصف بأنه “استثنائي”.

وخلافا لتبون الذي ترك في الدفة وعمل على محور الفصل بين ما هو سياسي وما هو مالي لكنه لم يفلح، يرجّح الخبراء في الشأن الجزائري أن ينسج أويحيى وفق رؤية معاكسة لما فشل فيه سلفه ويذهب إلى استقطاب رجال الأعمال بدافع الترضية أولا ولمساعدة الدولة على الخروج من محنتها الضيقة ثانيا.

لكن شاء أويحيى أم أبى فإن الوضع في الجزائر يتطلب أكثر من رؤية قطاعية توازي ولا تجمع وتستبطن أكثر مما تظهر، بقدر ما يتطلب توجّها عاما مطالبة الدولة بالمضي فيه يقطع مع كل ما هو “ماضوي معلول” ليؤسس لنموذج جزائري أكثر طموحا وتطلعا للمستقبل خاصة لما تستبطنه الدولة من مدخرات كفيلة بأن تضعها في مرتبة أفضل مما هي فيها الآن.

كاتب تونسي

2