فن الاسترخاء.. كيف يمكننا أن نعمل أقل لننجز أكثر

الراحة المتعمدة هي المفتاح الحقيقي للإنتاجية حيث تمنحنا المزيد من الطاقة وتجدّد نشاطنا، والقوى المتعارضة في المظهر تحقق توازنا في الجوهر.
الأربعاء 2018/05/16
فسحات من الزمن ضرورية لاسترداد أنفاسنا

تتنوع الطرق التي يستخدمها الناس لأخذ قسط من الراحة قد يكون طويلا أو قصيرا، فبعضهم يقضيه في الاسترخاء والنوم والاستمتاع بالكسل، وبعضهم يقوم برحلة استجمام أو سفرة قصيرة، وفي جميع الحالات، فإن هذه الفسحة من الزمن ضرورية بل لازمة لتجديد النشاط ومواصلة العمل مرة أخرى، خاصة إذا كان هذا العمل شاقا سواء أكان يعتمد على النشاط الفكري أم الجسدي.

في كتابه “الاستراحة: كيف يمكن أن نعمل أقل لننجز أكثر”، يؤكد الباحث الأميركي أليكس بانغ؛ مستشار تطوير الأعمال، على أنه كلما ازدادت صعوبة العمل الذي نقوم به كلما كانت نتيجة الراحة والاسترخاء أفضل، مشيرا إلى عدم واقعية الفكرة التي تقول إن العمل والاسترخاء أمران متناقضان، على العكس من ذلك، يشدد بانغ على أن ما أسماه “الراحة المتعمدة” هي المفتاح الحقيقي للإنتاجية، فمن شأنها أن تمنحنا المزيد من الطاقة إضافة إلى تجديد نشاطنا، ويمكنها أيضا أن تنعش أفكارنا وهي تقدم خارطة طريق متكاملة لإعادة اكتشاف أهمية الشعور بالراحة في حياتنا، فإذا أردنا المزيد من الإنجاز فعلينا اقتناص فترات أوسع للاسترخاء إذ أن العمل والراحة حليفان وليسا خصمين.

وترى أستاذة الطب النفسي في جامعة براون الأميركية، يائي شونبرون، أنه ليس من السهل القيام بهذا، خاصة إذا كنا في الواقع أسرى لمتطلبات الحياة اليومية وما تنطوي عليه من مسؤوليات وضغوط للأدوار المتعددة التي يقوم بها الشخص الواحد؛ فالسيدة العاملة التي تقوم بدور الأم والزوجة والصديقة في آن واحد يصعب عليها أن تفكر في اقتناص وقت مناسب للراحة، فضلا عن رغبتها في أداء واجباتها بمعايير عالية الأداء.

السيدة العاملة التي تقوم بدور الأم والزوجة والصديقة في آن واحد يصعب عليها أن تفكر في اقتناص وقت مناسب للراحة
 

إلا أن العلوم الفلسفية قد أثبتت بشكل لا يرقى إليه الشك، أن القوى التي تبدو متعارضة مع بعضها البعض في المظهر يمكنها أن تحقق توازنا صحيا ومستداما في الجوهر، أي أن التناغم قد يتحقق بينها على الرغم من طبيعتها المتناقضة، ولهذا فإن مبدأ الاستراحة بين أشواط العمل الشاق كما يروّج له أليكس بانغ أمر عملي وأبسط مما نتصور؛ فهو يعتمد كثيرا على طريقة التداخل والتنسيق بين العمل والاستراحة بشكل لا يؤدي إلى تعارض أحدهما مع الآخر.

 كمثال على ذلك، وقبل أن يتسنى لنا الانخراط في يوم عمل جديد يتوجب علينا تفحص علامات الإرهاق، فإن ميزنا واحدة منها مهما بدت بسيطة فينبغي علينا التوقف عن العمل حالا أو في الأقل الانتقال إلى مهمة عمل أخرى أقل إجهادا.

وأضاف بانغ “في حين، تعتبر غفوة قصيرة أو حتى إغلاق العينين لفترة وجيزة بمثابة استراحة، من شأنها أن تجدد نشاطنا لوقت قصير في الأقل، حتى يسمح لنا الوقت بالحصول على فترة استراحة أطول، فالفاصل القصير سيعطينا فرصة العودة إلى العمل بفاعلية أكبر وهذا يعني المزيد من الإنتاج”.

وفي كتابه، يستعرض بانغ، سيرة حياة العديد من المبدعين في مختلف مجالات الأدب والمعرفة (فنانون بارزون، كتّاب، موسيقيون، علماء في مختلف الاختصاصات)، من الذين عملوا بكدّ واجتهاد في وقت مبكر من حياتهم المهنية بطريقة فريدة وقضوا في تحقيق طموحاتهم أوقاتا عصيبة من العمل المضني والتفكير الإبداعي، اتضح من خلال مراقبة طريقتهم في التعاطي مع هذا العمل وبرصد ممارساتهم اليومية، أنهم كانوا يمنحون الأولوية لقضاء فترات من الراحة التي تتخلل العمل، أوقات الراحة هذه كانت تحفز ملكة الإبداع لديهم وتزيد إنتاجيتهم ليس من ناحية الكم فحسب بل ومن الناحية الجمالية أيضا.

وكان هذا الاتجاه في العمل هو أسلوب حياة لم يطرأ عليه أي تغيير، مع اختلاف العمر والمرحلة الإبداعية.

فسحة قصيرة من الاسترخاء بمثابة حلم
فسحة قصيرة من الاسترخاء بمثابة حلم

ومع ذلك، تؤكد شونبرون، على أن الأمر قد يكون صعب التطبيق عندما ينوء الشخص تحت ثقل مسؤوليات تفرضها عليه حياته اليومية، فضلا عن العمل؛ فالأم التي تترتب عليها مسؤوليات المنزل والعناية بالأطفال ورعاية أب أو أم كبيرة في السن، يتعذر عليها في أغلب الأوقات أن تمنح نفسها فترات من الراحة لتستعيد نشاطها وتواصل مهام عملها الشاق، بل إن فسحة قصيرة من الاسترخاء قد تكون بمثابة حلم لدى العديد من الناس الذين تطاردهم مسؤولياتهم حتى أثناء النوم!

إلا أن بانغ يؤكد مرة ثانية في كتابه، على أنه كلما زادت قدرتنا على إدراك الدور الذي تلعبه هذه الفسحات القليلة من الراحة والاستجمام، في خضم دائرة انشغالاتنا المرهقة والمستمرة، فإنها ستساعدنا من دون شك على تحقيق أداء أفضل وأسرع، وفي الوقت ذاته تمكننا من أن نعيش بتوازن في عالمنا الاجتماعي والأسري حيث نلعب فيه أدوارنا بمهارة أكبر، لنصبح آباء وأمهات صالحين ثم نحقق النجاح في العمل على حدّ سواء.

وإدراك القيمة الحقيقية لاستغلال الوقت هذا هو كل ما يهمّ، ويرى بانغ أننا في الغالب ننظر إلى فترة الاستراحة وكأنها خاتمة كل عمل، بمعنى أننا نستحق الراحة فقط عندما ننجز العمل بشكل كامل، أما المفارقة هنا فتكمن في أن أعمالنا لا تنتهي في الغالب، بل إنها لا تنتهي في المطلق وكل خطوة تأخذنا إلى غيرها وغيرها، والعمل تتفرع منه أعمال ومسؤوليات لم تكن تخطر على بالنا من البداية، فهناك الكثير للقيام به وهناك الكثير الذي نعتقد بأننا يجب أن نقوم به ولهذا السبب فإننا مرغمون على إيجاد فرص نقتنصها للراحة، إن فسحات من الزمن ضرورية لاسترداد أنفاسنا ولصقل أرواحنا وإذا ضيعناها في انتظار أن يتم إنجاز العمل بكامله فإننا لن نستعيدها للأبد.

21