فن البكاء

السبت 2014/09/06

يتخذ بكاء الطفل أشكالاً وتعبيرات مختلفة، لكنه في النهاية لغة التواصل الوحيدة التي يستخدمها هذا المخلوق المسكين للتعبير عن احتجاجه على لحظات الإهمال القصيرة، التي تقضيها الأم أحياناً في التقاط أنفاسها من العمل المتصل.

الطفل يبكي بسبب الشعور بالجوع أو العطش، الحر أو البرد وأسباب أخرى لا تنتهي، إلا أن الأبحاث الحديثة أكدت على أن هذا الكائن الذي يبدو بريئاً بعض الوقت، يستطيع أن يستخدم حيلة البكاء للحصول على أغراض شخصية ومغانم تتعدى حاجاته المادية، وأهمها لفت انتباه الأبوين إلى وجوده في حال أحس بتراجع هذا الاهتمام وخاصة مع وجود أطفال آخرين في الأسرة.

وكشف علماء نفس يابانيون مؤخراً من خلال دراسة سلوك أطفال رضع، بأن هؤلاء يستطيعون في سن صغيرة نسبياً قد لا تتعدى الأشهر، أن يطوروا مهارات في فن الخداع باستخدام اللغة الوحيدة التي يتقنونها وهي البكاء، والدليل على ذلك، أن الطفل سرعان ما يعود إلى ابتسامته فور رؤيته ملامح وجه أمه. ويرى متخصصون أن أسلوب البكاء الذي يستعين به الرضع لاستقطاب انتباه الآخرين يساعدهم في تطوير مهاراتهم الاجتماعية مستقبلاً، وذلك بتمكينهم من الدخول في علاقات اجتماعية مع محيطهم باستخدام أساليب مقاربة للبكاء لجلب الاهتمام.

وعندما ينمو الرضيع ليصبح طفلاً، فمراهقاً تتطور أساليب الخداع التي يستخدمها، بعد أن يكون قد تمكن من أدوات اللغة إضافة إلى اكتسابه مزيدا من المهارات الاجتماعية الأخرى ليستخدمها في جلب انتباه الأبوين والمعلمين وأصدقاء اللعب وغيرهم، لتحقيق غايات في نفسه لا يمكنه تحقيقها بسلوك الطرق المستقيمة.

أما عندما يكبر هذا الطفل إلى المراهق، فيتحول إلى راشد، تتكاثر عنده الأغصان والأوراق في شجرة الرغبة للفت انتباه الآخرين حتى تلامس أطراف السماء؛ الرغبة في الحصول على رضا وإعجاب الناس وخاصة من الجنس الآخر، الرغبة في التفرد والتميز، مع اختلاف الدوافع والميول والمسببات.

هذه الحقوق قد تبدو مشروعة للوهلة الأولى، إلا أن الوسائل غير المستقيمة التي يسلكها البعض لتحقيقها لا تمت للشرعية بأية صلة، حيث يواصل بعض الراشدين استخدام وسيلة (البكاء) الاجتماعي وأحياناً الصراخ لإجبار الآخرين على الاحساس بوجودهم والإعجاب بشخصياتهم والإقرار بآرائهم، وحين يجدون (هيئاتهم) الشخصية وقد علاها غبار الإهمال واللامبالاة فلا مانع عندهم من رفع عقيرتهم – إلى أقصى مدياتها- بالبكاء والصراخ إذا لم يستجب الآخرون لمحاولاتهم الأولى، حتى يضطروا في النهاية إلى استخدام وسائل أكثر بدائية للفت الانتباه إلى وجودهم.

قائمة طويلة من الأمراض الاجتماعية سببها تدليل وإفساد الصغار من قبل الأبوين أو المربين، بسبب نقص في الخبرات التي تمنح جرعات لا متناهية من الحنان بدون وجه حق. فلو تدبرت الأم الحنون أمرها وأهملت الاستجابة لبكاء طفل لجوج لا يعرف الصمت، لوفرت على الناس شر نعيقه راشداً.

21