فن الرسم البديل بالمغرب يعيد التشكيل إلى أصوله

فاجأ الفنان المغربي عبدالعزيز أصالح محبي فنه هذا العام بإقامته ورشة لأطفال مدينة أصيلة وتشريكهم في إنجاز جدارية، استرجع فيها روح الفنان فريد بلكاهية وتقنياته في الرسم التشكيلي. فقد تم اختيار الفنان المغربي فريد بلكاهية للتكريم في مهرجان أصيلة خلال دورته الأخيرة، السابعة والثلاثين، وبلكاهية هو الفنان الذي التزم بضرورة مغْربة الفن التشكيلي في بلاده، وقد رحل عن عالمنا في العام الماضي، وقد استحق بجدارة هذه الالتفاتة من مهرجان ساهم في إقامته منذ البداية.
الخميس 2015/10/01
الجدارية الحاملة لرموز أمازيغية

لا تزال في الذاكرة جهود الفنان المغربي الراحل فريد بلكاهية لإقامة ورش الرسم والنحت للفنانين الشباب بمدينة أصيلة، ورعايته للموهوبين، وما أقامه من ورش خاصة لتعليم أطفال مدينة أصيلة فنون الرسم والنحت، وغرس محبة الفن والاطلاع على جمال فنون التشكيل في نفوسهم.

ومن بين الفنانين الذين أقاموا الورش الفنية في الدورة الأخيرة لمهرجان أصيلة متتبعين نهجه، المغربي عبدالعزيز أصالح، والياباني أكيمي ناكوشي، والمغربية مليكة أكزناي، والسوداني عمر خليل.

استرجاع الروح

جدارية الفنان التشكيلي عبدالعزيز أصالح، الذي واصل رسمها في أصيلة بمرأى من أفراد الورشة، الذين تابعوا عمله الفني بكل إصرار الطفولة وفضولها. وقد تجلت لديهم أهمية وجود الفنان بإجابته عن جميع أسئلتهم واستفساراتهم حول عمله الفني، وما رأوه من فعاليات في الدورة.

الفنان عبدالعزيز أصالح لبّى شعار الدورة “فريد بلكاهية في الذاكرة”، برسمه جدارية استرجع فيها روح هذا الفنان الكبير، وطريقة رسمه. وعكس فيها تموّجات روحه المرهفة، ووضع فيها كل ما تعلمه من مزج الألوان، وما يعكسه اللون الناتج من دلالات بصرية، لها علاقة بتحديد الضوء، والظل وخشونة الجدار، الذي رسم عليه جداريته.

أنجز الفنان جداريته تكريما لروح الراحل، وحاول فيها أن يزاوج بين طريقته الخاصة في العمل، وإحدى لوحات بلكاهية. ولم يكتف بتعليم الأطفال الذين رافقوه في هذه الورشة، بل أشركهم أيضا في إنجاز الجدارية التكريمية للراحل.

الجدارية امتازت بأنها حملت رموزا أمازيغية، وإشارات عربية قديمة. وانتهج فيها الفنان أساليب بلكاهية

وامتازت الجدارية للفنان القادم من جنوب المغرب أغادير تحديدا، بأنها حملت رموزا أمازيغية، وإشارات عربية قديمة. وانتهج فيها الفنان أساليب بلكاهية في العودة إلى التشكيل المغربي القديم، التشكيل الذي لا يحمل قصة معينة في كل لوحة بل يحمل ألوانا ورموزا، وأشكالا جمالية.

وهي عودة إلى ما تعلمه من أعمال فنية للفنان المغربي القديم، وهو ينسج زربيته الصوفية، ويضع الأشكال والألوان المناسبة عليها، ليضفي عليها جمالا بصريا عميقا، وكذلك مما تفعله نساء البادية المغربية، وهن يجمّلن بألوان استخلصنها من أعشاب الشفلح والحناء وقشور الرمان والورود، وأغصان شجر التين حقائب جلدية يصنعنها، أو يلوّن الخيوط بالعكر الفاسي أو ما يسمى بـ”دم الغزال”، المواد التي يطرّزن بها مناديل الرأس، ويزخرفنها بألوان مستقاة من أحجار وتربة الطبيعة الجبلية.

هذيان اللون

كعادته في البحث الدائم عن الجديد، لم يستطع أن يقاوم رغبته في اكتساب مهارات جديدة وإغناء تجاربه الفنية المتعددة، إذ شارك في ورشات فن الحفر أثناء هذا المهرجان.

وشارك فنانين آخرين حضروا المهرجان، وتعلم منهم في هذا المجال الفني الجميل، والفنان عبدالعزيز أصالح ولد بمدينة أغادير عام 1986 ودرس منذ بدايات حياته الرسم. وحصل على بكالوريا شعبة الفنون التشكيلية بأغادير عام 1998، وسافر إلى مدينة الدار البيضاء لإكمال تعليمه العالي بالرسم في المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء. وهناك تأثر بأساتذته في هذه المدرسة، وما وضعه المؤسسون الأوائل لهذه المدرسة: كفريد بلكاهية ومحمد شبعة ومحمد مليحي وأحمد الشرقاوي، من أساليب رسم تعيد الفن التشكيلي إلى أصوله المغربية القديمة.

أصالح أنجز جداريته تكريما لروح الراحل، وحاول فيها أن يزاوج بين طريقته الخاصة في العمل، وإحدى لوحات بلكاهية

وتخرج من المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء بعد أربع سنوات من التحصيل في هذه المدرسة، حيث تعلم مع زملائه الدارسين الفن التشكيلي البديل.

وهذا النوع من الرسم يسقط مرامي الفن الاستعماري الوافد إلى المغرب مع بعض الأوروبيين، كما يعتقد هو وزملاؤه من الفنانين.

وبعودة الفنون المغربية إلى جذورها الأصيلة، فإنها تحقق رغبة هؤلاء الرواد في التمايز عن مدارس فنية سائدة كمدرسة الرسم الانطباعي والواقعي والتجريدي والتكعيبي والسوريالي، وغير ذلك من أساليب رسم وافدة.

وقد أقام الفنان أصالح العديد من المعارض الفردية والجماعية، كان آخرها معرضه الفردي عام 2013 في رواق محمد الفاسي بمبنى وزارة الثقافة المغربية، وسط مدينة الرباط، وحمل عنوان “هذيان المادة واللون”.

16