فن "الزار" في مصر طقس شعبي مهدد بالانقراض

ينظر إلى الزار في مصر باعتباره وسيلة لطرد الأرواح الشريرة وتخليص النفس البشرية من الشياطين وهو أحد أشكال الدجل والشعوذة، لكنه تطور إلى شكل موسيقي تراثي، وهناك باحثون يعتبرونه أحد أنواع العلاج الذي يُلهم الانسجام والسلام مع النفس.
الخميس 2017/03/02
إيقاع المصالحة مع النفس

القاهرة - في ممر ضيق في حي عابدين في قلب القاهرة الخديويّة، تقيم فرقة “أسياد الزار” حفلا تقليديا داخل مسرح صغير وسط البيوت القديمة، بالدفوف والآلات الموسيقية التقليدية، لتعيد إلى الذاكرة المصرية في الأسبوع الأول من كل شهر، فن الزار الذي بدأ يختفي تدريجيا من الثقافة الشعبية المصرية.

وتحاول بعض الفرق الشعبية والمراكز الثقافية إحياء هذا التراث الذي خرج من طقوسه لطرد الجن والأشرار ليصبح فنا تقليديا يقدم للجماهير في مصر، بل في دول عديدة من العالم للتعريف به كتراث يعبر عن الهوية المصرية.

وارتبط الزار قديما في مصر بالدجل والشعوذة، ثم سرعان ما تطور إلى شكل فني حولته بعض الفرق الفنية إلى موسيقى شعبية يعزفها الرجال والنساء بالدفوف والطبول.

وتنتشر حفلات الزار، وإن كانت قليلة الآن، في القرى والمناطق الشعبية في القاهرة وتحديدا في الدرب الأحمر، درب التبانة، السيدة زينب، والغورية، وتوجد مراكز ثقافية تعنى بهذا الفن وتحاول إحياءه من خلال تنظيم الحفلات التي يحضرها الشباب المصري والسياح.

والزار هو مجموعة طقوس تطهيرية وعلاجية لطرد الأرواح الشريرة التي يعتقد أنها تسكن جسد الإنسان، عن طريق رقصات هستيرية بالإيقاع والأداء الحركي والأغاني.

وتتجسد في طقس الزار فنون أداء مختلفة ترافقها إيقاعات خاصة وإشارات ورموز تتحرر فيها النفس البشرية من قيود الزمان والمكان، أو تنتقل من حالة إلى حالة أخرى، ومن هنا جاءت الوظيفة العلاجية النفسية لهذا الطقس.

في ثورة 25 يناير، أقام مصريون دقة زار في ميدان التحرير بالقاهرة، لإخراج مبارك من سلطة الحكم

ويختلف الباحثون حول التأصيل التاريخي واللغوي لكلمة الزار؛ فبعضهم يرى أنها كلمة عربية مشتقة من الزيارة، أي من كون أن الجن يزور الآدميين وتعمل جلسات الزار على طرده وإخراجه.

وآخرون يقولون إن الزار كلمة مستعارة من اللغة الأمهرية، وإن طقس الزار انتقل من إثيوبيا إلى السودان ومنها إلى مصر، حيث أنّ الزار المصريّ اختلط بالسودانيّ مع توافد الهجرة السودانيّة إلى مصر خلال فترة حكم محمّد علي في عام 1820.

ودخلت آلتا الطنبورة والرانجو السودانيّتان في موسيقى الزار، لتتعدّد أنواعه بين الزار المصريّ الذي تستخدم فيه الدفوف والطبول، والزار السودانيّ الذي تستخدم فيه آلة الطنبورة التقليديّة، وزار أبوالغيط، وهو الأشبه بالتواشيح والأغاني الصوفيّة.

وعلى الرغم من الصورة السلبية التي ساهمت في رسمها الأفلام السينمائية والدراما التلفزيونية في مصر للزار، إلا أن فرقا عديدة كفرقة مزاهر وفرقة “أسياد الزار” تحاول إخراج فن الزار من الظل أو السر إلى العلن، بل تحاول حمايته من الانقراض من خلال إقامة الحفلات في مصر وفي أنحاء أوروبا.

ويقول مهاجر مصري يقيم في بلجيكا حين علم بإقامة حفلة زار في بروكسل، إنه ظن أن أحد كبار السياسة أو المال سكنه جن فاستعان بجلسة زار مصرية لشفائه من الأرواح الشريرة.

ويقول عطالله الغمري، من أقدم العازفين في الزار عن حقيقة ارتباط الزار بالجن، “الزار علاج نفسي لكل الذين يعانون من أمراض نفسية أو غير مرتاحين في حياتهم، فالذين يدخلون الزار يخرجون شاعرين براحة نفسية بعد سقوطهم على الأرض وإخراج بعض الأصوات فيشعرون بإخراج كبت أو شيء ما”، واصفا الزار بـ”ديسكو” الغلابة.

فرق شعبية ومراكز ثقافية تسعى لإحياء فن الزار

وتقول بهية، شيخة زار تركت المهنة للعمل بتجارة البخور، “أغلب من كانوا يأتون إلى والدتي وأنا صغيرة وأغلب من كانوا يأتون إلي عندما كنت أعمل في هذا المجال كانوا يعانون من الحزن العام، فكان الرجال والنساء يريدون الترويح عن أنفسهم ويحتاجون إلى الصراخ بصوت عال أو إخراج غضبهم بسبب ضغوط الحياة والعمل، وكل جلسات الزار هي حلقات لذكر الله والنساء يكن بمفردهن والرجال كذلك”.

وهناك مشهد لا ينساه المصريون في ثورة مصر 25 يناير، عندما أقام الثوار في ميدان التحرير بالقاهرة دقة زار لإخراج مبارك من سلطة الحكم، هذا المشهد يؤكد أن دقة الزار جزء هام من التكوين الثقافي المصري وهويته.

الكودية سيدة الجلسة

في القديم، كان ينظر إلى الزار على أنه جلسة لطرد الأرواح الشريرة وتخليص النفس البشرية من الشياطين من خلال حفلة على الإيقاعات والأناشيد والبخور، تقودها سيدة تدعى الكودية أو الشيخة وتلعب دور الوسيط بين الملبوسين والأسياد.

وتجلس المرأة التي زارها الجن على كرسي في وسط مجلس، بعد أن تعلق على رأسها الذبائح التي تكون عادة ديكا أحضرته بناء على طلب الشيخة التي تؤكد أنه ليس مطلبها بل مطلب من سكنها من الجن كشرط للخروج من جسمها.

وتبدأ الشيخة في تلاوة نصوص وأناشيد وهي تضرب مع مساعديها من الرجال والنساء على الدفوف والطبول بنغمات وإيقاعات مختلفة ومتصاعدة، وترافق ذلك حركات الأجسام واهتزازها مع انتشار الأبخرة في الأجواء المفعمة بالضجيج والحركة وترتفع درجة الرقص لتصل إلى مرحلة هستيرية.

أدوات الزار وآلاته تتمثل في الطبول والمزمار والصاجات والطنبورة التي تشبه الغيتار، والطنجور وهو حزام به حوافر دواب يصدر أصواتا مميزة عند تحريكه، وآلة الأرغول

وتستمر هذه الطقوس حتى تسقط المريضة على الأرض، وحالما تقع تبدأ الشيخة بممارسة طقوس إخراج الجن، إذ تقوم بالصراخ بصوت عال عليه وعلى الشياطين والعفاريت، وتطلب منها الخروج مقابل تنفيذ مطالبها التي كثيرا ما تكون ديكا أو خروفا.

ويتميز طقس الزار بكثرة الرموز التعبيرية، بداية من الأداء الحركي للسيدات الذي يؤدي وظيفة نفسية مهمة، وهي تفريغ الطاقة السلبية واستبدالها بطاقة إيجابية، وصولا إلى ألوان الملابس والحلي والإيقاعات والأضحية والأغاني التي تحمل الكثير من الدلالات النفسية والاجتماعية.

ويقول أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة خالد أبوالليل “إن طقس الزار أقرب إلى حلقات الذكر عند الرجال، وفيه تتحرر النساء من كل قيود الدنيا، لينطلقن إلى عالم روحاني لا يشعرن فيه حتى بأنفسهن”.

وتتمثل أدوات الزار وآلاته أساسا في الطبول والمزمار والصاجات والطنبورة التي تشبه الغيتار، والطنجور وهو حزام به حوافر دواب يصدر أصواتا مميزة عند تحريكه، إضافة إلى آلة الأرغول.

وهناك ثلاثة أنواع من جلسات الزار؛ “زار أسبوعي” ويقتصر الاحتفال فيه على إظهار الاحترام للسيد واسترضائه، وحاضرات هذا الحفل يطلق عليهن “كريس”، وهن فئة مدمنات الزار، حيث يعتقدن عدم قدرتهن على الحياة دون المشاركة في حفل الزار.

وهناك “الحفل الكبير” الذي تمارس فيه طقوس كل عناصر الزار “موسيقى، رقص، ملابس، تمائم، بخور، أغان”، ويستهدف شفاء المريض بمعرفة الأسياد ومحاولة إرضائها وتقديم القرابين لها، و”الحفل الحولي” ويقام في شهر رجب من كل عام، وتُخصصه الكودية أو شيخة الفرقة لكافة الأسياد المعروفة لها، ولكن تتوقف حفلات الزار بلا استثناء طوال شهر رمضان.

السينما تخدش الزار

الزار فن شوهته الصورة التي يقدمها التلفزيون والسينما لكل ما هو شعبي

جسدت السينما المصرية الزار باعتباره نموذجا للشعوذة والدجل والنصب على الناس، فكانت أغلبية الأفلام تتحدث عن البطل الذي يتعرض لمضايقات من الجن، أو البطلة التي أحبها ملك الجان، ما يستدعي ذهابها إلى شيخة الزار التي تقيم حفلة ينهار فيها البطل في النهاية، ولكن بالطبع لا يخرج الجن لأن كودية الزار تنصب عليها.

ولعل من أشهر الأفلام التي تحدثت عن الزار هو فيلم “دقة زار”، كذلك فيلم “الإنس والجن” الذي ظهرت فيه حفلة الزار كمَرج وحيد لإنقاذ البطلة من الجني الذي يلاحقها، وغيرها من الأفلام التي استفزت العاملين بمهنة كودية الزار، والذين ينفون عن أنفسهم تهمة الدجل أو الشعوذة.

ويرى أحمد المغربي، الذي أسس المركز المصري للثقافة والفنون للاهتمام بالمأثور من التراث الشعبي المهدد بالضياع، مثل الزار، وتسجيله، “أن الزار فن شوهته الصورة التي يقدمها التلفزيون والسينما لكل ما هو شعبي كجلابية الصعيدي ولهجته وما يجري من سخرية حولهما، وأن هذا الزار لا يعرف على وجه الدقة أصله، لكن هناك قرائن تركها الفراعنة على جدران المعابد تشبه في طقوسها إلى حد كبير طقوس الزار الذي ربما استقدمه الفراعنة من أفريقيا وأضفوا عليه طقوسهم الدينية”.

ويخشى المغربي من انقراض الزار كفن شعبي لقلة العارفين به الآن، ويقول إن كل شيء يموت ويفنى والمهم أن نستفيد منه إذا ما أردنا إيجاد حلول موسيقية أخرى. وتقول بسمة حبيب مساعدة مدير مركز “مكان” المهتم بفن الزار “إن الزار يمثل جزءا من الموروث الثقافي المصري الأفريقي قارب على الانقراض، وفي ظل سعينا لحماية كل ما هو تراثي قررنا إقامة حفلات الزار بشكل يغلب عليه الطابع الفني، ونعتبر نحن المكان الوحيد الذي يقدمه كعرض ثابت”.

مساع لتصحيح الصورة

وأوضحت أن المركز يستهدف تعريف الناس بثقافة غير معروفة إلا بصورتها النمطية، “فكل من يأتي يتوقع أن يكون الزار بشكله التقليدي المقدم من قبل وسائل الإعلام المختلفة، أي أن يتضمن ذبحا للحيوانات وما إلى ذلك من طقوس، وإنما الحقيقة أننا نتناول الزار بشكل روحاني فني وتقديمه بألوانه الثلاثة المعروفة وهي: اللون المصري والسوداني والحبشي”.

ويحرص أستاذ علم الاجتماع السياسي سيد صادق على حضور طقوس الزار بشكل دائم، معللا ذلك بأن مركز “مكان” يرعى الفنون التي أوشكت على الانقراض قائلا “أتمنى أن يتعرف طلابي على الثقافات والفنون الأصيلة خاصة الأفريقية منها”.

وأضاف “الزار هنا ليس بعيدا عن الزار بشكله القديم غير أنه لا يتضمن بالطبع الطقس المتعلق بالذبح، فالأغاني التي تغنى بالزار لها إيقاع معين تبدو فيه الموسيقى هادئة في البداية مع كلمات غزل في الجن المتلبس بالمرأة لتهدئته، ثم تعلو الموسيقى وتدق الدفوف وتقرع الطبول بقوة لإخراجه منها”.

وعبرت الطالبة مها طنطاوي عن سعادتها بحضور إحدى الحفلات، وتحديدا الموسيقى المصاحبة للإنشاد خاصة أنها المرة الأولى التي تحضر فيها حفلا للزار، بالإضافة إلى كون المكان بهيئته العتيقة يتناسب مع ما يقدم، مما يجعلها تشعر كأنها في زار حقيقي.

وتقول مها “لم يختلف حفل الزار كثيرا عن الصورة التي توقعتها، لأني أعلم أن الإعلام يقدمه بشكل مبالغ فيه، بالإضافة إلى أن المكان يعد مركزا ثقافيا، وبالتالي توقعت أنه سيقدم بشكل أقرب إلى الفن”.

السائحة الإيطالية سيرينا بيلكاست تبدي إعجابها بالزار، حيث أنها تراه للمرة الأولى، معربة عن دهشتها من الطريقة التي يتم بها عزف الموسيقى والدفوف، حيث تبدأ بطيئة ثم تتسارع مصحوبة بالتصفيق والرقص، الشيء الذي لم تشاهده من قبل بهذه الطريقة.

20