فن الشارع العربي ليس فنا

الجمعة 2017/01/13

"فن الشارع"، التصق هذا التعبير بكل المظاهر الفنية الشعبية التي رافقت الحراك التحرري بتونس وبعض البلدان العربية، لكن لنأخذ تونس كمثال بما أنها كانت البلد العربي الأول الذي بدأت فيه الثورة على الدكتاتورية المعاصرة.

فن الشارع في تونس ليس ابن ثورة، بل كان موجودا حتى في ما قبلها، حيث يتميز هذا الفن بمختلف تمظهراته سواء الموسيقى أو الكتابة أو الرسم، وغيرها من صنوف الفن، بأنه خارج عن سلطة الدولة وما تقدمه من ثقافة رسمية وفن رسمي، حيث يلتصق هذا الفن بالشارع وبما هو هامشي أو مهمش من الحياة في تفاصيلها وفي زواياها البعيدة عن أعين الفنانين الرسميين.

يقدم فن الشارع مجموعة من الشباب، يضخون في تعبيراتهم الفنية شيئا من هواجسهم ومن عوالمهم التي فشلت السلطة في الوصول إليها، يضخون فيه من تفاصيل حياتهم ويعبرون من خلاله عن مواقفهم الفكرية والعاطفية والسياسية والاجتماعية وغيرها.

لا يلتزم من يقدم فن الشارع بالقواعد المضبوطة التي تقترحها الفنون في جانبها الأكاديمي، ولكنه أيضا من ناحية أخرى لا ينكر الوعي، فلكي يقدم أحدهم مثلا موسيقى الشارع عليه أن يتقن بعض الموسيقى، ثم إن بعضا آخر ممن يقدمون موسيقى الشارع هم أصلا من طلبة معاهد الموسيقى أو خريجوها، لذا فإن التضاد من جهة شكلي بين الجانب الأكاديمي والجانب التلقائي التعبيري، ومن جهة أخرى هو تضاد عميق بين من يمثل سلطة ومن يرفض كل وجوه التسلط. وقليلون من يدركون لعبة التناقض الخطرة هذه.

إن كل فن بالضرورة هو وعي، لذا نسأل هنا عن مكانة الوعي في فن الشارع.

سنأخذ ثلاثة أمثلة في حديثنا، هي فن الغرافيتي وموسيقى الشارع وفن السلام، كنوع من الأدب باللهجة المحلية.

يقترح “السلام” ثورة كلية على الخطاب الأدبي الرسمي، البعيد عن الواقع وهواجس الناس وخاصة الشباب، حيث بقي الأدب في تونس مهنة نخبوية، لا تواصل بينها وبين هموم المجتمع، وهذا ما حاولت كسره الحركة الأدبية الجديدة التي تحدثنا عنها في أكثر من مقال، لكن “السلام” وإن كان نوعا مستوردا من الأدب الشفاهي، فإنه بالضرورة وليد وعي يمكّن من التعبير والنقد وتمثل رؤية من العالم كما هو شأن كل الفنون، لكن في تونس كان الأمر عكسيا تماما، حيث كان هذا النمط الكتابي نوعا من التمرد غير الواعي، تمرد لأجل التمرد، حيث لا تجد في أغلب النصوص عدا انفعالات عاطفية أو مواقف جافة مرصوفة في جمل لا جمالية فيها، ولا وعي أصلا بأهمية إبداع جمالية سابقة أو جديدة أو ذاتية. لهذا لا يتعدى هذا الفن كونه تعبيراً لا يتجاوز عمره لحظته.

الشيء نفسه بالنسبة إلى موسيقى الشارع تقريبا، حيث نرى في الشارع مجموعات تكرر أغاني قديمة أو موسيقات فلكلورية، في تعبيرات خالية من التأسيس لجمالية، خالية من روح الابتكار التي من المفروض أن تميز فن الشارع، لذا فهي لا تعدو أن تكون سوى تمظهرات صوتية لخلق ضجيج يومي في الشارع.

أما الغرافيتي، فهو بدوره في نفس السلة، إذ يكفي أن ترى الرسوم المقترحة في الشوارع، أن تلاحظ الانكماش وغياب التجديد، مجرد أفكار مكررة تكبّلها أيديولوجيا سياسية سطحية، بينما العالم لا يتوقف والفن لا حدود له، هذا علاوة على رداءة الرسوم المقدمة.

ومن جهة أخرى، العمر القصير لهذه التعبيرات الفنية وليد تناقضها مع جوهر الفن الذي يجرد الواقع ويحمل الأصوات والتصورات أبعد مما يبلغه الزمن.

إضافة إلى ذلك، غياب الوعي عن فن الشارع، فإن هذا الفن الذي كان يتغذى على الهامشي، استقطبته في إطار الحراك الثوري في تونس سلطات مختلفة، نذكر منها الجمعيات الدولية وجمعيات السلطة والمال، هذه التي تتقدم على أنها داعمة لفن الشارع، بينما هي تشتري عناصره وتأخذهم لتأدية الحفلات وإبلاغ أصواتهم، وتضعهم في المركز، ليست مشكلة أن ينتقل هامشي إلى المركز، بل وظيفة أي فن الانتشار، لكن الإشكالية كما أسلفنا هي غياب الوعي وتقهقره يوما بعد آخر، ما يؤدي إلى التهام المركز الرسمي للهامشي الذي مازال منبت كل فن مغاير، فيتحول هؤلاء من أصوات أنفسهم وأصوات مجتمعهم المنسية، إلى أصوات ثقيلة لسلطة المال أو الشهرة أو ما يطلبه الآخر من صور عنهم.

شاعر من تونس

14