فن الضلال

الاثنين 2017/02/27

هل يمكن للأدب أن يلعب دوراً تضليليّاً بحقّ مَن يفترض أنه يسعى للدفاع عنهم؟ هل يغدو ملهماً للساسة لممارسة أدوار يتلاعبون من خلالها بعقول الجماهير ويقومون بتوجيههم هذه الوجهة أو تلك؟ هل يستقي الأدب والفنّ مادّتهما من واقع الخراب السياسيّ المعمّم أم أنّ الخيال يكون وسيلة لتأثيث خراب متخيّل للتحذير والتنفير منه؟ ألا يستخدم الطغاة الأدب والفنّ كأسلحة ووسائل حربيّة للتحايل والتضليل؟

في المسلسل الأميركيّ الشهير “the house of cards” يستعين الرئيس الأميركيّ المفترض فرانك أندروويد بكاتب ليؤرّخ له سيرته الذاتية التي يريدها أن تنشر، لا تلك التي يتكتّم عليها، ينتقيه بعد قراءته لمقاطع من كتاباته، واكتشافه أنّ موهبته الفريدة في الكتابة يمكن أن تلعب دوراً لصالح الترويج لشخصيّته وسياساته وبرامجه التي تكون بصدد عرضها وتقديمها للجمهور. يريد من الكاتب أن يكون وسيلته للتلاعب بالجمهور من خلال تجيير أدبه وفنّه للتلاعب بالأفكار والكلمات وصناعة رأي داعم ومؤيّد لما يودّ طرحه ودفع الجماهير إلى تأييده، وممارسة الضغط من أجل تحقيق أهدافه.

يبرز المسلسل في جانب ما الدور الخطير الذي يمكن أن يؤدّيه الفنّ حين يتمّ توظيفه للتحايل على الناس وإبقائهم في مستنقع التبعيّة والتلاعب، وكيف يمكن للعبة لغوية أن تمارس دوراً تضليليّاً في عملية الخداع غير المباشرة التي تمارس في واقع السياسة التي لا تلتفت إلى أيّ أخلاقيّات، بل تتّخذ من كلّ ما يمكن أن يدعمها درجات ووسائل لبلوغ الغاية المتمثّلة في إدامة السيطرة والنفوذ.

يشير العمل إلى الأوراق التي يستخدمها الساسة في فنّ الضلال الي يمارسونه على الناس، وألاعيبهم المباشرة بصناعة الرعب والإرهاب، كما يحذّر من اشتغالهم على أهمّية ترويع الناس وتضخيم مخاوفهم من الآخرين، ودفعهم إلى تأييد قرارات حربيّة بحجّة المحافظة على الأمن القوميّ أو بذريعة وضع حجر الأساس للسلام المفترض.

يتحوّل إلهام الكاتب للسياسيّ إلى إلهام معاكس، ينقلب سحر السياسيّ عليه، يقوم الأديب باستغلال موقعه القريب منه وانكشاف أوراقه أمامه، يكشف عمّا يعترك في داخله الموبوء، يضعه في مواجهة مع قبحه الداخليّ الذي يمرئيه له في كتابته، لكنّه يتورّط بغواية المرأة وينساق إلى اللعبة التي تكاد له، يتبادل دور الإلهام والتضليل معها، يغدو نزيل الضلال الذي حاول تبديده وكشفه.

بإسقاط حالة الفنّ الضالّ أو المضلّل عربيّاً تمكن ملاحظة فنّانين ومخرجين رهنوا أنفسهم للدفاع عن الطغيان، كحالة نجدة إسماعيل أنزور ومحاولته تدبيج أعمال تنحو في المنحى التضليليّ الذي يضع الفنّ وسيلة وسلاحاً فتّاكاً بيد مجرمين لتمرير سياساتهم وتبرير جرائمهم بحقّ الأوطان وأهلها.

كاتب من سوريا

15