فن العيش

الجمعة 2017/10/20

هذا فن لا نتقنه نحن العرب، فكثيرا ما ابتدعنا فنونا للغمّ فقط لأننا لا نعرف كيف نعيش. مرة نستحضر الماضي وآلامه، كي لا ننساه بالطبع، ومرة نرتعد من الغد وآفاقه، كي لا نصل إليه أبدا، المهم أننا ننجح كل مرة بالهرب من المضارع.

وقد حدد العلماء خمسة واجبات إن فعلتها يوميا، فأنت تعيش يومك بالفعل، أولها أن تقوم بواجبك الذاتي المهني والروحي والمعرفي، فهذا يقبع في أعلى درجات سلم الواجبات. وثانيها أن تقوم بواجبك تجاه أسرتك وأطفالك. أما ثالثها فأن تلتفت إلى صحتك. الرابع هو التوفير، مهما كان قليلا، كي يصبح القادم من الأيام مضمونا نوعا ما، أما الخامس فهو عمل الخير بلا مقابل لترضي أخلاقك وقيمك وتخدم الآخرين.

أضيف بدوري إلى تلك الخماسية، في بندها الأول، معرفة مستجدات العالم التكنولوجية والحضارية، لأنها اليوم جزء لا يتجزأ من إدراك الكون وعلاقاته. وهي لغة عالمية، تجعلك بالفعل ابنا لهذه اللحظة، فلا تبدو كائنا تاريخيا مثل بدوي أوروبي ينصب خيمته وسط برلين أو باريس أو لندن.

أما الأخير فقصة بحد ذاته، فبدو أوروبا القدامى الذين يطلق عليهم اسم “الكلتيين” أو “السلتيين” ما زالوا ينتشرون في الشوارع، بعد أن كانت لغتهم تطغى على أوروبا كلها.

وكان لهم دين خاص منتشر من إسبانيا إلى الأناضول، ولكنهم انحسروا إلى “بريتاني”، وهذه ليست بريطانيا، بل هي رأس خارطة فرنسا المطل على المحيط. هؤلاء لم يعيشوا لحظتهم فاندثروا.

لكن نمطا من البشر يرى أن لا نكترث لما يحدث حولنا بالمرة، فقد كان أن تأسس في دمشق مطلع الخمسينات من القرن الماضي حزبٌ سياسي يعكس عقلية الناس في ذلك العصر، أسسه سياسي يدعى “أبوالحسن رمضان” وكتبت الصحافة عنه وأجريت الحوارات مع مؤسسه وأعضائه، وانتشر انتشارا كبيرا فاق كل حزب آخر ظهر في البلاد.

أراد رمضان أن ينافس الزعيم المعروف أكرم الحوراني نائب رئيس الجمهورية في عهد جمال عبدالناصر لاحقا، فسمى حزبه “حزب يصطفلوا”، وكلمة يصطفل كلمة مشرقية، تعني أشياء كثيرة، منها “ليفعل ما يشاء” وأطرف معانيها ما جاء في لسان العرب، فنقل عن الزمخشري قوله إن معنى الإِصْطَفْلينة هو الجزرة.

وكتبت مجلة الطليعة عن حزب رمضان آنذاك إن رئيسه كان “يضم إليه سائر الناس، سواء أدخلوا فيه أم لم يدخلوا، لأنهم بطبيعة الحال لا يحبون عالم السياسة، ولذلك فهم أعضاء سلفا”، وكان شعار الحزب بيتٌ من الشعر يقول “هكذا هكذا وإلا فلا لا/ ليس كلُ الرجال تُدعى رجالا”.

وهكذا يمر الزمن، وبعضنا يتناغم معه وبعضنا الآخر يجمد في مكانه، فلا يدري هل يصطفل أم يعيش؟

24