فن "الفرصة الثانية" مادته الخام الخردة المهملة

المصري عمار شيحة يحوّل ما هو مهمل إلى أعمال فنية مدهشة.
الأحد 2021/01/03
الفنان يعطي فرصة ثانية للخامة

رغم انتشار الأعمال الفنية القائمة على تطويع الخردة وإعادة تشكيلها، ورغم ما تلقاه من إقبال كبير سواء من الفنانين أو المتابعين، فإن الأعمال التي تتوسل استنطاق الخردة فلسفيا وتطويعها فكريا قليلة، لكن هناك فنانين يحاولون تجاوز البعد السطحي والشكلي للخردة قصد الوصول إلى أفكار تمس الإنسان، فتحوّل خشونة الحديد وحدّته إلى قضايا المشاعر والروح والجسد والوجود الإنساني، وهو ما نجح فيه الفنان المصري عمّار شيحة.

يُعرّف نحت الخردة بأنه فن تحويل القبح إلى جمال، فمن خلاله يتم تحويل المهملات المعدنية عديمة القيمة إلى أعمال فنية جاذبة للعين، لكنه بالنسبة إلى النحات المصري عمار شيحة له معان أخرى فلسفية، فهو فن الفرصة الثانية التي نمنحها لأنفسنا وللآخرين ولمختلف الأشياء منتهية الصلاحية لتتحول إلى كيانات وأعمال أخرى ذات أشكال وأدوار قادرة على صنع الدهشة، وأحيانا الإبهار.

في معرضه الذي أقيم حتى 21 ديسمبر الجاري بغاليري “سماح” في القاهرة، تتنقل عين المتلقي بشغف بين المنحوتات أو بقايا الأشياء القديمة في ثوبها المغاير، بعد أن عثر عليها شيحة وسط أكوام مهملة في الشارع أو داخل إحدى الورشات، وانتقاها بعناية لما لمسه فيها من تكوينات عفوية موحية، فأعاد تشكيلها ونجح ببراعة في أن يبعث فيها الحياة من جديد.

فن له تاريخه

إذا كان فن الخردة نفسه ليس جديدا، فقد عرفه النحات المعاصر في أوروبا بعد الحرب العالمية حين قام بتطويع نفايات المعادن والمخلفات المعدنية الصناعية ليشكل منها أعمالا إبداعية، وكان من بين من اهتموا بهذا الفن بيكاسو الذي أبدع قطعة نحتية على شكل رأس ثور قدمها عام 1943 في معرضه الأول بعد الحرب العالمية الثانية، وكان شديد الفخر بعرضها على الجمهور لتحظى المنحوتة بشهرة كبيرة في الفن الحديث كنموذج لأبسط أسلوب فني غير مألوف يمكن أن يستخدمه فنان.

من التجارب الإبداعية المبهرة أيضا منحوتة الخروف للفنان نيومان نورتا عام 1951، حيث نجح في أن يحول الحديد القاسي إلى صوف ناعم يكسو جسد خروفه المعدني الشهير. ولا يقل روعة عن ذلك الفرنسي سـيزار الذي صنع تمثال جائزة أهم مسابقة للسينما في فرنسا، وقد عُرف باستخدام المكابس الضخمة وغيرها وتحويلها إلى أعمال نحتية ذات قيمة فنيـة عالية.

أما في العالم العربي فكان النحات المصري صلاح عبدالكريم من أهم النحاتين منذ أن أبدع “صرخة الوحش”، وذكرته موسوعة “لاروس” للفنون كرائد لهذا النوع من التشكيل على مستوى العالم.

عقب دراسته في كلية الترجمة واللغات، وعمله بالسياحة، غاص عمار شيحة في عالم الخردة، ورأى في تشكيلها إعادة تدوير القبح إلى جمال، وتحويل ما نراه سلبيا يشوه المكان إلى إيجابي.

تصالح مع البيئة

أعمال شيحة تجذب جمهورا من كافة الفئات، فهي لا تخاطب النخبة فقط، إنما الجميع تصيبه الدهشة عند تأملها
أعمال شيحة تجذب جمهورا من كافة الفئات، فهي لا تخاطب النخبة فقط، إنما الجميع تصيبه الدهشة عند تأملها

يقول شيحة لـ”العرب” إن “الخردة بالنسبة إلى الناس أشياء سلبية، بل قد يعتبرونها كمّا مهملا أو عبئا ثقيلا يسعون إلى التخلص منه دون مقابل، لكن أنا أراها فرصة ثانية للخامة التي كانت تؤدي يوما ما دوراً في غاية الأهمية في حياة الإنسان، ثم تعطلت، ومن منظوري لم تتلف بشكل كامل أو نهائي، إنما حتما يمكن إعادة إحيائها، ما يساعد على التصالح مع البيئة، وتوطيد صداقتنا معها”.

وخرج الفنان من دائرة النظرة التقليدية لنحت الخردة إلى فكر فلسلفي آخر، إذ يرى أن الأمر لا يقتصر على الخامات وحدها، إنما هناك الكثير من العلاقات الإنسانية التي قد تحتاج إلى إعادة نظر لإصلاحها وبث الحياة فيها.

ويوضح لـ”العرب”، “عندما نتأمل كيف تحولت الخامة إلى تحفة فنية نتساءل: إذا كان الأمر كذلك مع الحديد، فماذا عن علاقتنا مع البشر، ونظرتنا إليهم؟ أيضا ألا تستحق أحلامنا وأهدافنا التي نعتقد أنها قد واراها النسيان أن تحيا من جديد؟”.

ويمثل نحت الخردة بالنسبة إلى شيحة دعوة إلى “استعادة كل ما كان جميلا أو مفيدا في حياتنا مرة أخرى حتى نستمتع به، فنتصالح مع الحياة أيضا”.

وينظر الفنان المصري إلى الخردة باعتبارها “كنوزا”، لذا كان اختياره لعنوان معرضه الأخير “كنوز الخردة”، قائلا “في بداية حياتي الفنية، قبل امتلاك سيارة خاصة، كنت ذات يوم داخل حافلة عامة أحمل أول مبلغ مالي أحصل عليه من بيع تمثالين لي، ولفتت نظري قطع الخردة في أحد الشوارع، فوجدت نفسي أنزل بسرعة لأتفحصها، ومن لهفتي على اقتناء هذه الكنوز نسيت النقود على المقعد، لكن كسبت أعمالا أخرى جديدة أضافت إليّ الكثير في مشواري الفني”.

تجذب أعمال المعرض الجمهور من كافة الفئات، فهي لا تخاطب المتخصصين أو النخبة وحدهم، إنما الجميع تصيبه الدهشة عند تأملها لتبدأ رحلة مع ما يراه أمامه.

 وهو ما يفسره شيحة قائلا “من مميزات خامة الخردة أنها خفيفة الظل، على عكس البرونز مثلا، نعم تتمتع الخامة الأخيرة بقيمة فنية عالية، إلا أن رؤيتها كثيرا ما تكون صماء، تخلو من روح الدعابة، وقد تكون سهلة التواصل والفهم بالنسبة إلى الأكاديمي أو الدارس للفنون والمحب لها، لكنها ليست كذلك عند الجمهور العادي ومحدودي الثقافة، وهنا تبرز أهمية منحوتات الخردة التي تنجح في جذب أي مشاهد لها، بل تخلق عنده دهشة وإعجابا”.

رحلة ممتدة نحو الهدف

الجوهر الأصلي والأفكار المبتكرة
الجوهر الأصلي والأفكار المبتكرة

يلفت شيحة إلى أنه حين يدقق في الخردة يجدها تأخذه إليها خطوة خطوة، محاولا الربط بين أجزائها والوصول إلى الشكل أو الاستخدام الأصلي لكل جزء منها، فتجبره المنحوتة على عدم المرور عليها سريعا، وهو ما يبث في داخله بدوره قيمة التأني، ويلهمه التروي والتعمق، وعدم الاكتفاء بمشاعر وأفكار وأحكام اللحظة الواحدة في حياته.

ومثلما تأخذ المنحوتة من المتلقي وقتا طويلا، وخطوات عديدة في سبيل التواصل ومن ثم التفاعل معها، تأخذ كذلك عدة مراحل من مبدعها، فيقطع عمار شيحة رحلة طويلة من أجل تشكيلها منذ أن ينزل إلى أماكن الورشات وتجمعات الخردة في الأحياء العتيقة بمصر، ليغوص وسط أكوام الخردة، والمجموعات المتباينة في أشكالها وعلاقاتها البصرية.

ينظر سيحة إلى قطع الخردة بشكل فني تشريحي، ويترك لخياله العنان كي يتصور استخدام كل جزء فيها، فهذا يصلح لذراع إنسان، وذاك لجسد حيوان، وتلك القطعة يمكن استخدامها كمفرش طاولة، ويقوم بالتوليف بين الأشياء المهملة، ويجمعها ويقطعها ويشذبها، ويلحمها، فتحتل كل قطعة مكانها بانتقاء ودقة لتؤدى وظيفة بعينها.

ويؤكد شيحة، لـ”العرب”، أن الخامة في أعمال الخردة، مصدر الإلهام الأساسي، وهي ليست مثل الطين أو الصلصال أو البرونز أو الجبس، فكل هذه الخامات تكون أفكارها حاضرة في ذهن الفنان قبل بدء العمل بها، وتظل تطارده حتى تتبلور وينفذها وفق رؤيته للخامة، لكن بالنسبة إلى فنان الخردة فالأمر يختلف، إذ هي من الحديد القديم الذي سبق تشكيله، فعلاوة على صلابتها فإن شكلها القديم يفرض عليه الكثير، ومن ثم هي التي تولد الفكرة لديه، وتأخذ ذهنه إلى حيث تريد.

ويتابع “من هنا فإن المجهود الحقيقي في فن الخردة ليس في أعمال القطع والتشذيب واللحام، لكنه في المجهود الذهني الذي يتطلبه الوصول إلى فكرة ما للعمل الفني، وإيجاد الأجزاء المناسبة لمكوناته من ضمن الأكوام المتناثرة”.

من فرط احتفائه بالخردة وتقديره لها يحرص شيحة على الإبقاء على جوهرها وخصوصيتها، فلا يستخدم أي لون في عمله، ويكتفي بدهنها بمادة شفافة تحميها فقط من الصدأ.

يؤكد الفنان أنه يتركها كما هي لتتماهى مع البيئة، وما يراه المتلقي من ألوان في أعماله، إنما هي ألوانها الأصلية التي كانت عليها منذ أن التقى بها، كيلا يجردها من جمالها ويحولها إلى مسخ، ويدخل ذلك في إطار رؤيته الفلسفية الواسعة للخردة، إذ إنه يريد التأكيد على فكرة أنه لا يوجد أفضل من الجوهر الأصلي للأشياء كما للناس عادة، ولا ينبغي أن تشوه عبر فرض أشكال وتصورات عليها وفقا للمزاج الشخصي.

بين الصلابة والجمال

ننن

يستوقف المشاهد وجود أعمال فنية من الخردة شديدة الصلابة والخشونة، والقسوة والشراسة، حتى ليشعر في بعض الأحيان أن هذه الشقوق والنتوءات والزوايا الحادة قد تهدد من يلمسها بالجروح والندبات، ويثير هذا الفن قدرا من التحفظ لدى البعض.

ولكن شيحة يرد على ذلك قائلا “هو وليد البيئة وصديقها، والفن لا يقاس بعذوبته وانسيابيته أو سطحه الأملس، ولا يوجد متذوق للفن يحكم بمثل هذه المعايير، فمقاييس الفن التشكيلي جمال بصري ومعنى وتكوين وقواعد ونسب وتشريح، ولا يصح أن نخضعه لتلك الرؤية السطحية، حين نحكم على نحت الخردة علينا كأي عمل تشكيلي آخر أن ننظر إلى قيمته الفنية، والتقنية المستخدمة فيه”.

ولا يأخذ فن الخردة حقه حتى الآن في التشكيل العربي، فهو بحسب كلام عمار شيحة، لـ”العرب”، “لا يحتل المكانة التي يستحقها، بالرغم من أنه فن عصري وصديق للبيئة والمُناخ، ويمنع تكدس المهملات والمخلفات، ويثبت أن الأشياء التي تكون سببا للتلوث والقبح هي نفسها التي يمكن أن نحولها إلى الجمال كما يساهم في إعادة الوجه الحضاري للمدن. ولن ينتشر الفن في المنطقة العربية إلا بعد الخروج به من القاعات الفنية إلى الأماكن العامة عبر أعمال ميدانية، تعرف الجمهور العادي به”.

وفي المعرض الأخير للفنان كان المشاهد وكأنه يلتقي بأبطال الأعمال، ويشعر كما لو أنه يعرفهم من قبل لفرط حميمية تشكيلهم وبساطتها، من ذلك بواب العمارة بالحجم الطبيعي، الذي يجلس حاملا عصا غليظة بثقة شديدة، ويحتسي شاي العصاري، ويبدو كما لو أنه رئيس جمهورية البناية أو مدير أمنها، ويتحكم فيمن يدخل ومن لا يدخل.

كما التقى الجمهور بالفلاح العصري، الذي يحمل في يده الهاتف المحمول ويضعه على أذنه، واليد الأخرى تكتب أو توجه محرك البحث على الشبكة العنكبوتية، فنشعر بتغير الزمن وتحولاته.

وشاهد الزوار الديك من خامة “الاستانليس ستيل” القديم فخورا بنفسه وبقوته وسط الدجاج حاملا مدلولات اجتماعية عدة. ونستمتع بمشهد العصافير على الدراجة، ونجد أنفسنا نحلق معها في أجواء من الانسيابية والرشاقة وخفة الظل، ويمر بنا الوقت ونحن في تأمل أعمال من الكنوز الفنية.

نننن

 

15