"فن الفقدان" رواية تنبش المسكوت عنه في الذاكرة الجزائرية

بعد أكثر من نصف قرن على توقيع اتفاقيات إيفيان بين جبهة التحرير الجزائرية والحكومة الفرنسية، تعود حرب الجزائر إلى الواجهة من خلال أعمال روائية لافتة، كاشفة خبايا التاريخ بتناولها لشخصيات أهملها المؤرخون، فتقدم لنا الحكايات من زوايا جديدة لم نعهدها من قبل.
السبت 2017/11/11
كاتبة تحكي تاريخ أجدادها للتطهر من الماضي

لئن كان تناول موضوع حرب الجزائر في أعمال روائية فرنسية، في الأعوام السابقة، حكرا على الذكور مثل لوران موفينييه في رواية “رجال”، أو جيروم فيراري في رواية “حيث تركت روحي”، لا يخرج عن إطار التساؤل عما فعله الآباء في المستعمرة القديمة، وما إذا كانوا ضحايا أم جلادين، فإن النظرة تغيرت هذا العام مع كاتبات مثل كوثر عظيمي، وماري ريشو، وبريجيت جيرو، وأليس زنيتر، وكلهن يحاولن إعادة ربط خيط الذاكرة المقطوع، والحفر في المسكوت عنه لتصوير مصائر الآباء الذين عصفت بهم تقلبات تاريخ لا يرحم. والمسكوت عنه هو في الغالب مسائل محظورة أو مخجلة أو مؤلمة لا يجدر بالمرء إثارة رواسبها، حذر الإدانة سياسيا أو اجتماعيا أو نفسانيا، وهي هنا مجتمعة في حالة عليّ أحد أبطال رواية أليس زنيتر “فن الفقدان”.

هذه الرواية -التي كانت من أكثر الروايات المرشحة لنيل جائزة غونكور هذه الدورة- تحاول الكشف عن علاقة الحركيين بالبلاد الأم والمستعمِر القديم الذي لاذوا بدياره، من خلال سيرة ثلاثة أجيال لعائلة جزائرية من منطقة القبائل، اختارت المنفى الفرنسي قسرا.

رحلة بلا عودة

المعروف أن الحركيين فئتان: فئة تتكون من جزائريين كانوا مجندين في صفوف الجيش الفرنسي قبل اندلاع الثورة الجزائرية، ثم استغلتهم فرنسا لقمع المجاهدين والتجسس عليهم. وفئة ثانية تتألف من جزائريين اختاروا الانضمام إلى جيش الاستعمار طوعا، وكان معظمهم قد شارك في الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو حرب الهند الصينية في صفوف الجيش الفرنسي، فلما استقلت البلاد في عهد الجنرال ديغول ورحلت القوات الغاصبة، رحلوا مع الراحلين وهم يمنّون النفس بواقع أرحم، فإذا هم لاجئون في مخيمات، مبغوضون من إخوانهم الذين يعتبرونهم خونة، ومحتقرون من الفرنسيين للسبب نفسه.

رواية بوجهة نظر مختلفة لا تصفي حسابا ولا ترفع مظلمة ولا تلمع شخصية، بل تسرد الحياة كما تمضي، بحلوها ومرها

الرواية أقرب إلى التخييل السيرذاتي، فالساردة نعيمة هي نفسها تقريبا أليس زنيتر (31 سنة)، فهي أيضا شابة مثقفة من أصول جزائرية تعمل في إحدى قاعات الفنون التشكيلية، وجدّها حركي هو أيضا، خاض الحرب العالمية الثانية ضمن القوات الفرنسية وظل في صفوفها حتى بعد اندلاع حرب التحرير في الجزائر.

كانت تجهل كل شيء عن الجزائر، وعن جذورها هي، ولم تكن تولي ذلك أهمية، غير أن تصاعد الجدل عن الهوية في المجتمع الفرنسي، فضلا عن نظرة الفرنسيين إليها أعادها إلى أصولها، فسعت إلى معرفة تاريخ عائلتها الذي لم يَرْوه لها أحد قط. بيد أن جدها مات قبل أن تسأله لماذا جعل منه التاريخ حركيا. وجدّتها لا تستطيع أن تلبي طلبها لأنها تتكلم بلغة لا تفهمها الحفيدة. أما أبوها حميد، الذي قدم إلى فرنسا خلال صيف 1962 فقد أغلق فمه نهائيا عن الجزائر التي عرفها في طفولته.

هذا الصمت الذي فرضه الجد، ثم الأب من بعده، هو ما ستحاول نعيمة انتهاكه، من خلال استرجاع شخصية الجد عليّ، الذي كان له حضور مهيب وصوت مسموع في قرية من قرى منطقة القبائل، ولا سيما أنه خاض معركة مونتي كاسينو بإيطاليا في صفوف الجيش الفرنسي ونال عن بسالته الأوسمة، ولكنه رفض التخلي عن جرايته التي كان يتقاضاها من السلط الفرنسية كمحارب سابق، عند اندلاع شرارة الثورة، ولم يغير رأيه حتى بعد الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها قوات الاستعمار في قريته، كالتنكيل والتمثيل بأرملة عجوز عقابا لها عن التحاق ابنها بالثوار.

ولم يجد بدّا من رحلة بلا عودة صحبة عائلته، فآل بهم أمرهم إلى عيشة بائسة في مخيم ريفسالت الذي بني عام 1935 لاستقبال المدنيين المعوزين أو الجنود المنهزمين، قبل أن ينقلوا إلى شقة متواضعة في مقاطعة نورمنديا لا تكاد تسع أفراد العائلة العشرة.

تخييل سير ذاتي لفتاة قبلت بما ضاع

القبول بما ضاع

العائلة المهاجرة سرعان ما برز فيها حميد، الابن الأكبر، كوسيط بين سكان الحيّ والإدارة المحلية لأنه تعلم القراءة والكتابة بلغة فولتير، قبل أن يتزوج امرأة فرنسية سوف تنجب له أربع بنات من بينهن نعيمة. أما الجدّ فقد تدنت مكانته القديمة، وبات مجرد عامل أمـيّ، كسائر العمال المهاجرين وقتها.

“فن الفقدان” رواية تصور جالية يسكنها الإحساس بالإثم بعد أن أقصاها بنو قومها، فاختارت الصمت ملاذا، ليس صمت الحكمة والتعقل، بل صمت العار والخوف. ولكي تتحرر نعيمة من هذا الحمل الذي جثم عليها، بغير ذنب، عادت إلى ثلاثينات القرن الماضي كي تقتفي آثار ثلاثة أجيال من عائلة زكار القبائلية، بدءا بالجد، فالابن فالحفيدة، ثلاث شخصيات كرمز لثلاث مراحل، وثلاثة ملامح عن التاريخ والثقافة المزدوجة (عربية وفرنسية) وأنماط العيش. والغاية ليست إعادة اعتبار لأهلها، ولا رفع مظلمة ما قد يكون التاريخ أنزلها بهم، وإنما التصالح مع الماضي بسلبياته، والتخلص من أحكام البشر، وخطاب اليمين واليمين المتطرف عن الجزائر الفرنسية، والقبول بما ضاع وما فُقد دون إهماله من الذاكرة.

رواية لا تصفي حسابا ولا ترفع مظلمة ولا تلمّع شخصية، بل تسرد الحياة كما تمضي، بحلوها ومرها.

في حديث لإحدى المجلات، علقت أليس زنيتر على روايتها الخامسة تلك “منذ أعوام وأنا أرغب في الكتابة عن قدوم الحركيين إلى فرنسا، عن العلاقة بالبلد المفقود، وكيفية إدارة ‘الغياب المضاعف‘، الغياب عن البلد الذي غادروه، والغياب في البلد الذي خالوا أنهم سيجدونه لدى وصولهم، بلدا غير الذي وضعوا فيه”.

وأضافت “قدرت أني بإمكاني أن أتحدث عن تلك الحكاية، وأقول إنها حكاية عائلتي، وألا أخاف بعد اليوم من أن يتم تحديدي وفق أعمال جدّي”.

15