فن الكتمان فن البوح

الأربعاء 2014/09/24

لا اُجيدها.. لكنني أبقى اُحاول.. فقد تعلمتُ منذ أن بدأ قلبي يدقّ.. أن أعبّر عمّا أحس وأن أشي بما في روحي دون خوف.. كان الكل يهمس.. وأنا لا أجيد البوح بهمس.. والكل يوصي بالكتمان وتلبّس الصمت وادعاء اللامبالاة.. ووحدي التي لم أكن أفهم لماذا وكيف!.. لماذا نصمت ونكتم فرحتنا بدلَ أن نرقص مهلّلين أمام الجميع؟.. ولماذا نكتم أحزاننا ونبكي بصمت وحين نُسأل عن السبب ندعي أننا بخير؟

مرة في درس القواعد.. وكنت طالبة في الابتدائية.. أرعبتني عبارة كانت تمليها علينا معلّمة اللغة العربية: “العاقلُ كاتمٌ سرّه.. والجاهلُ فاضحٌ أمره”.. أحسست بالرعب لأمرين: أولهما أنني فاضحة أمري دائماً.. ولذا فأنا جاهلة!.. والثاني هو أنني لا يمكن أن أكون عاقلة أبداً لأنني أكتم أسرار الجميع.. ولا أكتم سري!.. وإذاً فأنا مجنونة!..

لا أذكر كيف ولماذا ومتى بدأت أحب أن أقول ما بقلبي دون خوف.. وإذ كان يمنعني الخجل أحياناً.. كنت أجد من الشجاعة أن نتغلب على خوفنا وخجلنا فنعترف!.. ولذا فقد كنت أعترف!.. دائما كنت أعترف وبسهولة وتلقائية تامة.. بكل ما أحس وما يعتريني.

وحين بدأت أكبر وأنضج وأتعلم شيئاً من فنون الكتمان.. لم أكن لأتعلّم أكثر من الصمت.. وأعني جداً: عدم الاعتراف.. أما ما يدور حول كتماني من تعابير عن فرح أو حزن أو غضب أو ألم أو قلق أو خوف.. فقد كان وما يزال عصيّ التعتيم والإخفاء.. وكان جسدي ينوب عن لساني بالبوح بها!

فلم أتعلم أن أكتم أحاسيسي.. لم أفعل لأنني لم أكن يوماً لأجد إجابة مقنعة على سؤالي لماذا نكتم؟ لماذا لا نبوح؟

“استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”.. هكذا علّمونا.. موروث شعبي موغل في القدم.. يشي بأن إبداء السعادة يجلب الحسد!.. وإبداء الحزن والألم يدعو للشماتة!.. وإبداء التعاطف يظهرُ الضعف.. وإبداء الغضب يوحي بالقسوة.. الخ.. والكل يوصي بالاعتدال.. الكتمان أولا.. ثم السيطرة على حواسنا لنكون حياديين.. لا نبدي مشاعرنا إلا لمن نثق ونأمن.. ولكنني لم أقتنع.. ولم أمتثل.

وقبل أيام قرأت عن دورة تدريبية في تعلّم مهارات قراءة لغة الجسد.. وعن تقديم تدريبات أولية تعلّمنا التحكم في تعابير وجهنا وأيدينا ومشيتنا وجلستنا.. وكان أول ما خطر ببالي هو أنني سأتعلم أخيراً ما عجزَتْ سنوات الخبرة الطويلة عن صقله في داخلي..

ولكن.. أي مدرّب خبير يمكنه أن يمنع قلبي من الزقزقة إذ أرى وجه حبيبي بعد غياب فلا أتراقصُ فرحاً؟.. أو أن يدرّبني على كتمان حزني ووجعي إذ ينآى عني الحبيب فيمنع دمعي من الهطول! أو يطفئ نار غيرتي عليه وهي تحرق كل مسام جسدي دون أن تنتشر رائحة الدخان!.. أو أن يروّض خوفي فأبدو باسمة مسترخية وأنا أموت قلقاً عليه! أو يرشدني لتغيير ملامح وجهي حين أغضب منه فأبدو باسمة لاهية!.. هل ثمة من يملك أن يمنحني صمام تحكّم يعيد تشكيل حواسي ولغة جسدي من جديد.. فأظهر سوى ما أظمر؟..

ولكن كيف؟.. وقد آمنتُ مبكراً بأنني مجنونة!.. و”الصبُّ تفضَحُه ُعيونُه”.. بحسب رامي.. فهل أملك أن أستبدل بعينيَّ عينين جامدتين تجيدان تمثيل الكتمان وإلغاء البوح؟..

سأنتظم في الدورة التدريبية.. لعل وعسى.. فالتعلم في الكِبَـر.. مثل رمي الحجر!..

21