فن الممكن أم فن التمكين

الاثنين 2014/02/17

اشتهر لينين بتعريفه للسياسة بأنّها فنّ الممكن. وهو تعريف يكاد يتبناه الجميع. إلا أن الإسلام السياسي يملك رأياً آخر: ليست السياسة فن الممكن لكنها فنّ التمكين. ولذلك دأب قادة الإسلام السياسي على تقسيم استراتيجية العمل السياسي إلى مرحلتين:

أ- مرحلة ما قبل التمكين، حيث يكون مباحاً للمناضل الإسلامي أن يضمر اعتقاده أو قناعته، وأن يهادن أو يداهن “خصومه”، ويواليهم باللسان عند الضرورة أو إلى حين حلول ساعة التمكين. وهنا لدينا مئات النصوص الدالة على هكذا موقف، من بينها ما يقوله الشيخ راشد الغنوشي في خاتمة كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية- وهو الكتاب الذي يتباهى به واصفاً إياه بأنه “من أهم الأدبيات الأساسية للفكر السياسي الإسلامي الحديث” (توطئة على ظهر غلاف الكتاب)-: “لئن كانت إقامة الحكم الإسلامي الهدف القريب أو البعيد.. فإن الشريعة تضع أمام المسلم، فرداً أو جماعة، إذا تحظر ذلك الهدف، إمكانات بديلة لمعالجة الحالات الاستثنائية، كالتحالف مع الجماعات غير الإسلامية من أجل إقامة حكم تعدّدي تكون السلطة فيه للحزب الفائز بالأغلبية… ولو بعد حين”.وهنا لدينا ثلاث ملاحظات، قبل أن نعرضها نود التذكير مرّة أخرى بأننا لسنا في معرض التحريض ضدّ الإسلام السياسي وليس هذا حالنا، لكننا على وجه التحديد لا نتردّد في تحريض الإسلام السياسي نفسه على المراجعة الفكرية التي نرجوها ونرقبها، حتى لا نعود إلى نقطة الصفر ولو بعد حين:

أولاً؛ الغنوشي الذي لا يتبنى مفهوم المواطنة، وهو أبعد من ذلك يضع صفة “مسلم” مقابل صفة “جماعات غير إسلامية”، هذه الأخيرة التي يجوز “للمسلم” أن يتحالف معها عند الضرورة، فهل هي زلة قلم بالمعنى الفرويدي أم أزمة خطاب يخلط بين روح الفقه وروح القانون؟

ثانياً، ما معنى عبارة “ولو بعد حين” إن لم تكن تعني “التمسكن لحين التمكن”؟

ثالثا، يرى الغنوشي أنّ الحكم الإسلامي هو الهدف القريب أو البعيد، ثم يقول إذا تحظر ذلك الهدف فثمة إمكانيات أخرى ضمنها التعدّدية والأغلبية، ما يعني أنّ الديمقراطية مجرّد إمكانية مؤقتة إذا ما تحظر الهدف “الأسمى” وهو الدولة الإسلامية(!)

ب- مرحلة التمكين، حيث تصبح كلمة الله هي العليا، فيصبح من واجب الإسلامي أن يصدع بـ”الحق”، فلا يخاف في الله لومة لائم. وأمامنا عشرات النصوص الدالة على ذلك. ففي الخطاب الذي بعثه حسن البنا لقادة الجماعة بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الإخوان، كتب: “منذ عشر سنين بدأت دعوة الإخوان خالصة.. هذه مرحلة من مراحل الإخوان التي اجتزناها بسلام.. وقد حان وقت العمل.. فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام.. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها”.

هنا مكمن أزمة الخطاب الذي ندعو إلى تجاوزه؛ إذ ما أبعد هذا الحس الاحترابي عن مجتمع الديمقراطية الذي يفترض حدا أدنى من الشفافية والوضوح، ما أبعده عن مجتمع المؤسسات الذي يفترض حدا أدنى من القدرة على التوافق، ما أبعده عن مجتمع السلم الأهلي الذي يفترض حدا أدنى من النزاهة والتسامح، وما أبعده عن السياسة باعتبارها فن الممكن والقدرة على تدبير التوافقات قبل أن تكون حرباً لا هوادة فيها.


كاتب مغربي

8