فن النحت، فن الصمت

الأحد 2016/04/10
في التشكيل، ما عاد ضروريًا أن تضع العين حيث يجب أن تكون العين

المسافة بين مكوّنات مجموعة ” بورجوازيو كاليه ” للفرنسي رودان في غاية الأهمية، فالمجموعة متراصة وتمضي نحو مصيرها كمجموعة وليس كأفراد، وإن كان لكلّ منهم شخصيته.

استغرق منّي إنجاز “تحية لشغّيلة الأرض” تسعة أيام من العمل الملحاح، لكن أدقّ وأكثر اللحظات رهافة كان تقرير المسافة بين الرجل والمرأة. يُفهم من التكوين أنهما زوجان من الفلاّحين وبالتالي المسافة بينهما يجب أن تتفادى الإيحاء بحالتين: إن قرّبتهما من بعض لبدا في التكوين عنصر عاطفي بينهما، وإن أبعدتهما أكثر من اللازم لأوحى العمل بحالة نفور، وما كان هذا قصدي من كائنين يشقيان معًا بسبب من الأرض ويتعاطفان معها. هما زوجان من الأشقياء لكن لكلّ منهما شخصيته على الرغم من مجاورة الآخر.

السرّ للوصول إلى هذا يكمن في المسافة بينهما.

عساني نجحت.

***

أعلى النموذج

إن طُلبت منّي منحوتة تمثّل الألم لكانت أنثى بلا تردّد.

***

كيف نعبّر عن واقع أليم مثل واقعنا؟ الغالبية تلجأ للإمعان في تصوير ذلك الواقع بكثير من الدماء وتمزّقات الأجساد والتفجيرات المروّعة.

هي عادة أضعف الأعمال.

عندما اعتقل النازيون زوجة ماتيس وابنتهما الوحيدة استمر يرسم الأزهار.

ومن عشرات الأفلام التي رأيتها حول أهوال الحرب العالمية الثانية كان الأقوى فنيًا ووجدانيًا الفيلم السوفييتي “عشرون يومًا بدون حرب”، تدور أحداثه في قطار ينقل جنديًا إلى بيته في إجازة، ولا نسمع فيه صوت طلقة. لعب الدور الرئيس فيه ” نيكولين”، أشهر المهرّجين السوفييت آنذاك.

لم أخرج من فيلم حول الحرب بغصّة مماثلة لتلك التي أصابتني لمشاهدته.

يكفي أن تقرأ أقصوصة “عجوز عند الجسر” لهيمنغواي لتدرك عمق مأساة الحرب الأهلية الأسبانية.الأمثلة عديدة وتنتمي للأقلية.

تحتاج لمبدعين.

***

كثيرًا ما زرت متحف البرادو. لكنني لم أر البرادو.

أول الصالات إلى اليسار غويا (الحقيقي، وليس فنان البلاط). ثم الغريكو. وما أدراكم ما غويا والغريكو! فأتعب وأركض هاربًا.

تتعبني المتاحف.

منذ أكثر من قرن، في التشكيل، ما عاد ضروريًا أن تضع العين حيث يجب أن تكون العين. المهمّ أن تكون عينًا عندما يجب أن تكون

***

المعمار الأميركي فرانك غيهري ذكّرني دومًا بزها حديد (وهي به). أحسّ أمام نواياهما أنهما نحّاتان حاولا إسكان الناس منحوتاتهما.

خطر لي تعليق على متحف بيلباو للفنون، من إنجازات غيهري “الحاوية أكثر أهمية من المحتوى”.

مع التأكيد على أنّ العمارة قريبة للنحت بالتأكيد.

***

أندريه مالرو “الفن الحديث بدأ مع غويا”.

موافق، ولكن.. مع غويا غويا وليس مع غويا البلاط.

وجدت إسقاطات منّا إليه. قد أسجّلها يومًا.

بين المبدعين من هو خارق، زها حديد كانت منهم.

ليس من السهل التعامل مع الخارقين، فبعضهم يعجز عن تفهّم نيّة المبدعين الآخرين ويحتقرون إنجازاتهم ظلمًا، من منطلق الدفاع عن رؤيتهم. أخطأ العملاق أوتيثا عندما قال عن جوان ميرو “ولد يلطّخ الأقمشة بألوان”، وأخطأت زها حديد باحتقارها منجزات حسن فتحي بقولها “بيوت طينية ما كنت لتعيش بها”.

كانت لتعيش هي، لو شاركت فقراء مصر شرطهم.

***

من السخف أن يتباهى المرء بما يصنعه أو يحقّقه. تباه كهذا ينمّ عمّن حقّق الشيء بالمصادفة. المبدع الحقّ يكفّ يده عمّا يفعل وبه شعور بالتقصير والإخفاق. هذه عتبة تجاوز النفس.

للنحت أداة واحدة: اليد. فلا تتذرّع بنقص الأدوات

***

ثمة حكمة في عمارة تنظيم المدن تقول “دع الناس يمشون كما يرتاحون ثم خطّط الطرقات حسب هواهم”. تصلح للتنظيم وليس لإدارة البلاد سياسيًا، بخاصة عندما تكون الجهالة غالبة.

***

ما لم تثر على نفسك ما من ثورة منك ممكنة.

***

أدقّ تحليل لما حدث في بروكسل سمعته من عمدة مدينة بلنسية إذ قال “هذه نتيجة صنيعة بوش وبلير وأثنار في العراق. من ذلك الغبار هذا الوحل”.

***

قال لي صوت “لماذا لا تنحت وتسكت؟”.

أجبت “لأن من يسمع نحتي قليل”.

نحات من سوريا

13