فن بمجد الجريمة

الأربعاء 2015/05/06

في أغسطس سنة عشر وألفين سرقت لوحة “زهرة الخشخاش” للفنان فان كوخ من متحف محمد محمود خليل وحرمه بالقاهرة، هي صيغة من صيغ عديدة للوحة ذاتها وبالعنوان نفسه انتشرت عبر متاحف عالمية للرسام العالمي، حدثت ضجة كبيرة وتحقيقات، ثم لا شيء.

بقي الإطار الذهبي فقط، واختفى القماش الملون الثمين، قبلها بسنوات وعقود نهبت مئات اللوحات وهربت آلاف المنحوتات الفنية، لعل أشهرها لوحة “الموناليزا” لليوناردو دافينشي، التي تعددت سرقاتها من متحف اللوفر الباريسي، لكن أطرف سرقة لها هي تلك التي اتهم فيها الشاعر “غيوم أبولينير”، الصديق الحميم لـ”بيكاسو” و”موديلياني”، برّئ الشاعر، وعثر على اللوحة، وعادت إلى مستقرها في “اللوفر”، لكن “زهرة الخشخاش” القاهرية اختفت، مثلما اختفى تمثال “باخوس” الذي لا يقدر بثمن في سبعينات القرن الماضي من مدينة وليلي الأثرية بشمال المغرب.

وعذبت ساكنة قرية “دوار بومندرة” بكاملها، في تفاصيل غير مأثورة من سنوات الرصاص بالمغرب، لا لأن أفرادها انتموا جماعيا إلى تنظيم سياسي محظور، وإنما لأن عملا فنيا “ثمينا” كان متروكا في الخلاء بالضاحية واختفى. حدث أغرى عديدين بتحويل الفن الذي مجدته الجريمة إلى رواية، لعل أشهرها رواية “القوس والفراشة” لمحمد الأشعري، و”دموع باخوس” لمحمد منصور.

لكن “زهرة الخشاش” بقيت دون حكاية تعوّض الفن الضائع، مع أن الحدث يستفز التخييل بصدد ماهية الفن المعاصر، ومشاهد معقدة عن عمل الفنان الذي يرسم نسخا متعددة لموضوع واحد، تتوزع بين متاحف الشرق والغرب، وحوارات بصدد المادة والجماليات، والمدارس، والتاريخ، وسفر التحف عبر المعمورة، والمؤسسات والمتاحف الحاضنة لها، ثم بطبيعة الحال لغز السرقة، وخطط المغامرة، التي حولت الكلام عن اللوحة من الفن إلى الجريمة، وانزاحت بقيمتها من الرمز إلى الثروة ومن الأثر إلى الملكية.

لم تكتب الرواية، بقي الخبر فقط الذي حمل المسؤولية لوزير الثقافة المصري السابق فاروق حسني، وسرعان ما نسيت بعد أن انصرف الكل بعد “الربيع العربي” إلى شأنه العائلي. لكن نسخة “زهرة الخشخاش”، دخلت ذاكرة الأعمال الفنية الحديثة المختفية، مثلها مثل عشرات التحف والروائع الفنية التي أخذت في لحظة هاربة من سياق “النفيس العام” إلى سراديب “الكنز الشخصي”.

استحضرت هذه الأفكار كلها اليوم، حين سألني أحد طلبتي وأنا أحلل معنى الاختفاء في التحف الفنية، عن “ما يتبقى للعمل الفني من قيمة بعد الاختفاء؟” لم أحر جوابا، لأن “اللوحة” و”المنحوتة” صورة معتمة، تلقيها لا يمكن أن يكون فرديا، ولا بيتيّا، قد تكون صيغها المطبوعة في كاتالوغات شأنا شخصيا، لكن الأصل الثمين منذور للجماعة، للتلقي المشترك.

إذن المال الذي بذل في تحويل “النفيس” إلى “كنز” دون جدوى، لأن التحفة لن تسلط عليها الأضواء، ولن تكون حتى بمنطق الثروة ضمانا أو رهنا، هي فقط حكاية منذورة للكتابة.

15