فن تحت السيطرة

الاثنين 2014/06/02

بعد أن قضيت سنوات طويلة في دراسة الفنون البصرية المعاصرة (التجهيز، المفاهيم، الفوتو، الفيديو، الأداء الجسدي، اللغة)، صار لزاما عليّ أن أعترف أن ما فعله الفرنسي مارسيل دوشان عام 1917 على سبيل الدعابة، حين عرض مبولة جاهزة باعتبارها عملا فنيا عنونه بـ”النافورة” صار بعد ستة عقود مرجعا لتحول فني. دخل من خلاله أصحاب رؤوس الأموال إلى المشهد الفني باعتبارهم رعاة لمرحلة، سيتأخر الجمال فيها عن تهذيب ذائقة الناس وأخلاقهم.فالجمال الذي كان في حدّ ذاته واحدا من أعظم أهداف الفن لم يعد مع سيادة الفنون المعاصرة على المشهد الثقافي ضروريا.

صار الفنان صانع أفكار، يعرضها من خلال مشاريع، لا يمكنه إنجازها ما لم يحصل على تمويل من جهة ما. ومن الطبيعي أن تكون لتلك الجهات الممولة أهدافها غير المعلنة. وهي أهداف لن يتم الإعلان عنها مباشرة من خلال العمل الفني الممول من هذا الطرف أو ذاك، غير أنها ستجد في نوع العمل الفني ما يمهد للوصول إليها.

ولا أبالغ إذا ما قلت أن الأفكار السطحية بما تنطوي عليه من غزل صريح بالواقع المعيش من غير التفكير في تغييره، صارت بمثابة العمود الفقري لكل الأعمال (الفنية) المرحب بها من جهة الممولين.

وقد يكون مناسبا هنا أن نذكر أن هناك الكثير من الفنانين المبدعين قد حرموا من نعمة التمويل، فلم ينفذوا مشاريعهم، لا لشيء إلا لأن تلك المشاريع لا تنسجم مع رؤية المؤسسات الداعمة لوظيفة الفن في مجتمع استهلاكي.

ولأن ما تقدمه تلك المؤسسات من أموال كان مثيرا لشهية الكثيرين، فقد صار الإقبال على الفنون المعاصرة مصدر إلهام بالنسبة لشباب صار كل همّهم أن يحصلوا على الشهرة والمال في أسرع وقت، من غير أن يرهقوا أنفسهم في تعلم أصول الفن وتقنياته والتورط في مشكلاته الإنسانية. يصمت الجميع حين يكون الحديث عن مشكلات الإنسان في عصرنا، وهم يدركون أن فنا صار تحت سيطرة أصحاب رؤوس الأموال لن يكون إنسانيا.

16