فن تزييف التاريخ في روايات الغرب عن الهنود الحمر

إن استدراج القراء نحو إدمان قراءة رواية المغامرة كنوع أدبي جماهيري، هو واقع أفلحت صناعة الثقافة الأميركية في تحقيقه على الأرض حتى الآن، وإن كان في نطاق الأدب والسينما. ومن خلاله عملت على تقديم تصورها لتاريخ العلاقة بين الهنود والأميركيين زمن الاستيطان والاستكشاف على هيئة جديدة هي قصة الحب التي تجمع بين البطلة الأميركية البيضاء والبطل الهندي الشهم صاحب المروءة، متجاهلة بذلك قرونا ثلاثة ملطخة بالقتل والعنف والعنصرية.
السبت 2016/08/20
الهنود الحمر بين الإبادة والصور المزيفة

يتصدى كتاب “مغامرات الكاوبوي في بلاد الهنود الحمر” للباحث صديق محمد جوهر رئيس قسم الأدب الإنكليزي بجامعة الإمارات بالتحليل النقدي لأهم وأشهر النصوص التراثية الروائية التي تتناول العلاقة التاريخية بين المستعمِرين الأوروأميركيين والمستعمَرين من السكان الأصليين أصحاب الأرض، وتغطي فترة طويلة من الزمن تمتد من الروايات التي كتبت عما يسمى بحقبة روايات الأسر، خلال القرن السابع عشر الذي شهد ظهور عدد من المرويات والسرديات النثرية (قصص الأسر) كتبها مستوطنون متطرفون سعوا من خلالها إلى تبرير عمليات الاستيطان والإبادة العرقية للسكان الأصليين عن طريق الادعاء بأنهم قد وقعوا أسرى في أيدي الهنود الحمر المتوحشين، وأثناء وجودهم في الأسر اطلعوا على ثقافة السكان الأصليين الهمجية التي تثبت حسب مزاعمهم أنهم من آكلي لحوم البشر وأنهم شعوب بدائية تعيش خارج خارطة التاريخ الإنساني ولذلك ينبغي قتلهم واجتثاثهم حتى يتمكن الأوروبيون حملة ألوية الحضارة من نشر القيم الإنسانية النبيلة في بلاد البرابرة. وصولا إلى روايات كتبت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إضافة إلى روايات رومانسية معاصرة كتبت وفقا لرؤية ما بعد حداثية، وسعت إلى تزييف التاريخ الأميركي وخداع القارئ.

خطاب عنصري

يشير صديق محمد جوهر في كتابه الصادر هذا الأسبوع، عن دار صفصافة للنشر، إلى أن هذه التغطية النقدية تتوخى تتبع تطور صورة العدو (الشعوب المستعمَرة) في الرواية الأميركية على مدار ما يربو من ثلاثة قرون من الزمن. وتذهب الأطروحة النقدية الرئيسة في هذه الدراسة إلى أن الصورة المتغيرة للأعداء (أصحاب الأرض) في الرواية الأميركية ليست إلا انعكاسا لسلسة من التغيرات التي ألمت بالخطاب العنصري/الثقافي للمجتمع الأوروأميركي في ما يتعلق بالهنود الحمر ومجتمعاتهم علاوة على الشعوب والأقليات الأخرى. إن الصورة المتغيرة للأعداء وخاصة السكان الأصليين، كما ظهروا في النصوص الثقافية والأدبية الأميركية، ونظرا لتفاعل العديد من العوامل السوسيوتاريخية المركبة، هم البرهان على قدرة الحضارة الغربية للبيض الأميركيين على تعديل أوضاعها وتغيير ملامحها.

روايات الأسر بخطابها العنصري قدمت الهنود في صورة متوحشة لتأتي بعد الحرب وتحاول طمس خطابها وتزييف التاريخ
ويؤكد الباحث هنا أن مؤلفي روايات الأسر الجديدة في مرحلة ما بعد الحداثة يتجاهلون عامدين الخطاب التاريخي العنصري المعادي للهنود في روايات القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر، والتي تورد من بين ما تورد المذابح والتطهير العرقي وإراقة الدماء ومظاهر الوحشية الرهيبة، التي وقعت في حق الهنود من قبل المستعمرين البيض المستكشفين، وبدلا من ذلك تعتمد تلك الروايات نهج التزييف والتزوير ومحاولة طمس التاريخ، وتستبدل بالخطاب العنصري الذي ساد الروايات الأميركية على مدار قرون خطابا نقيضا يرتكز على المرغوب المأمول والعاطفي الإثاري، بما في ذلك اللجوء إلى الجنس والإباحية، والتعبير عن العواطف والانفعالات.
وبالمزج بين الرواية الرومانسية ذات الشعبية الجارفة وبين نوع أدبي أميركي خاص هو رواية الأسر، يحاول الكتاب الأميركيون، في مرحلة ما بعد الحداثة في ما ترى هذه الدراسة، شرعنة هذا النوع الأدبي الجديد الهجين بإغرائهم للقراء على التماهي مع ذلك الحب المصطنع المتوهم بين الهندي الوسيم والأميركية البيضاء الفاتنة، ذات الأصول الأوروبية، ذلك الحب الذي يتسامى فوق حقائق التاريخ، ويتعالى على أحداث الواقع الفعلي الملموس على الأرض.
بحث عن السكان الأصليين في الروايات الأميركية

وتدور معظم روايات الأسر التقليدية التي كتبها قصاصون ومؤلفون من أمثال: كوتون ميذر، جون نورتون، فاني كيلي، وماري رولاندسون حول أحداث ملفقة وقصص خرافية تتعلق بوقوع المستوطنين الأوروبيين في الأسر خلال المواجهات الدامية مع الهنود الحمر، ومن ثم عودتهم إلى مستوطناتهم، كي يصفوا هول ما شاهدوه داخل مجتمعات الهنود من وحشية وتخلف وطقوس دموية بدائية تقشعر لها الأبدان.

إن صورة الهندي الهمجي التي روَّجتها روايات الأسر الاستعمارية الباكرة، عززتها روايات القرن التاسع عشر التي كتبها جيمس فينيمور كوبر، وكاثرين ماريا سيدغويك، وليديا ماريا تشايلد، وما كتبه الروائي زين غري في أوائل القرن العشرين. وبمعنى آخر، فإن الكُتَّاب الذي سبق ذكرهم هم من طوروا وأشاعوا المقولات العنصرية المعادية للهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، والتي ظهرت في صورتها الجنينية بروايات الأسر إبان القرن السابع عشر.
ويلفت الناقد إلى أنه بالرغم من وجود تباين في الرؤى الفنية والاتجاهات الأيديولوجية بين هؤلاء الروائيين (كوبر، سيدغويك، تشايلد وغري)، فإنهم أجمعوا على تصوير الهندي الأحمر كهمجي شهم وهمام.

طمس الحقيقة

يقول صديق محمد جوهر إنه “في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فُتحت أبواب المحميات الهندية لأول مرة في التاريخ، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية تم تجنيد أعداد غفيرة من شبان وشابات المحميات الهندية، وقامت الحكومة بضمهم إلى القوات المحاربة على مختلف جبهات القتال لخوض المعارك ضمن الجيوش الأميركية. عندئذ شرعت الآلة الثقافية الأميركية في تحسين صورة الأقليات العرقية، وخاصة سكان البلاد الأصليين والزنوج في مسعى لتأمين وتوحيد الجبهة الأميركية الداخلية في زمن الحرب.

ومن ثم، فقد راحت الروايات الأميركية في أعقاب الحرب العالمية الثانية تصور الأميركيين من ذوي الأصول الهندية بوصفهم إخوة وحلفاء ومحاربين أشداء، يقومون بالدفاع عن بلادهم ضد الأعداء. واختفت صورة الهندي الهمجي المتوحش عن صفحات الأدب الأميركي خلال حقبة الحرب العالمية الثانية”.
الكتاب دراسة نقدية تتوخى تتبع تطور صورة الهندي العدو في الرواية الأميركية على مدار ثلاثة قرون من الزمن

ويضيف “بلغت الصورة الجديدة للهندي الأحمر ذروة سطوعها في الروايات ـ الصادرة في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين التي تسعى إلى إعادة كتابة قصص الأسر الباكرة إبان القرن السابع عشر بشكل يناقض التاريخ بهدف تقديم قراءة جديدة ترفع من شأن سكان البلاد الأصليين، حيث استبدلت صورة الهندي الأحمر الهمجية الوحشية المألوفة في روايات ما قبل الحرب العالمية الثانية بصورة الهندي العاشق الرقيق الذي تترامى عند أقدامه السيدات البيضاوات عشقا وهياما”.

يتابع الناقد “استهدفت الرواية الأميركية الحداثية التي تتناول حقبة الأسر، والتي تعمل على تسلية القراء وإلهائهم بالأساس، أن تكون أداة لإعادة كتابة تاريخ الهنود الحمر والمستعمِرين الأوروبيين بغية تحقيق أهداف صُناع الثقافة الأميركية أيديولوجيا وثقافيا.

إن كُتاب هذه الروايات الحداثية التي تدور حول ماعرف بمرحلة الأسر؛ إذ يعمدون إلى تجاهل الحقائق التاريخية الثابتة في الروايات القديمة التي تناولت تلك الحقبة بدءا بالروايات البيوريتانية إبان القرن السابع عشر وانتهاء برواية زين غري ‘الهندي المنقرض’ في عام 1925 ويستبدلونها بعناصر وثيمات فنتازية تخييلية مستقاة من الرواية الشعبية المتداولة”.
15