فن توارثه المصريون في الأقصر عن الفراعنة

حرفة النحت على حجر "الألباستر" في مدينة القرنة بمحافظة الأقصر شمالي مصر مهددة بالاندثار بسبب هجر العديد من سكان المدينة لهذه المهنة بعد تقلص النشاط السياحي.
الاثنين 2018/04/16
فنانون بالسليقة

القاهرة -  قطعة من الحجر كفيلة بأن يحوّلها أهالي مدينة القرنة بمحافظة الأقصر شمالي مصر، إلى تحفة في دقائق معدودة، من خلال صناعة “الألباستر” التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم منذ أيام الفراعنة، لكنها بدأت تشهد تراجعا منذ سنوات بعد أن تقلص النشاط السياحي حتى هجرها العديد من سكان المدينة بحثا عن مورد رزق آخر.

والألباستر تركيبة من الجبس الطبيعي دقيق الحبيبات وذي الشفافية العالية، أبيض صاف أو مختلط مع البني المحمر، كما أنه يتمتع بدرجة عالية من الليونة.

مميزات هذا النوع جعلته المُستخدم الأول في صناعة الأعمال الفنية والتحف والتماثيل التي تشتهر بها مصر في عهدها القديم الذي خلد أعماله في معابد وأهرامات تعود إلى عهود فرعونية عديدة، قبل حوالي 6000 ق.م.

مستحضرا روح الفراعنة القدماء، وأسفل أشعة الشمس، يجلس محمد عبدالرحمن، صاحب أحد مصانع الألباستر، ممسكا بحجر يقوم بتشكيله وتحديده بواسطة “الدبورة” (أداة بدائية صنعها أجداده، وهي عبارة عن قطعة حديدية حادة ولها يد خشبية).

وفي الوقت الذي يمارس فيه عبدالرحمن مهنته يحدثنا عن تفاصيل عمله قائلا “بعد تشكيل قطعة الألباستر تتم إضافة البودرة والغراء (مادة لاصقة) لكي تكون مرنة ولا تنكسر أثناء العمل”.

ويتابع قائلا “بعد ذلك تُلف بقماش من القطن وبودرة من نفس الخامة، حتى لا تتفتت أسفل ‘المدجاب’ (جهاز بدائي لتفريغ الألباستر)”.

 

النحت على حجر الألباستر من أقدم الحرف الفنية التي عرفتها الإنسانية، تشهد على ذلك الرسومات والمنحوتات الفرعونية الموجودة داخل معابد ومقابر البر الغربي للأقصر، وهي صناعة لا توجد إلا في محافظة الأقصر وبالتحديد في مدينة القرنة التي توارث أهلها حرفة النحت دون أن يدرسوا في معاهد وكليات الفنون الجميلة؛ فالجميع، أطفالا وفتيات وسيدات وعجائز ورجالا وشبانا، تربوا على إتقان مداعبة الألباستر وتحويله إلى منحوتات فنية.

وحتى تصبح خفيفة الوزن تتم إزالة القماش من القطعة وتنعيمها عن طريق “الصنفرة” (تستخدم لإزالة الزوائد وجعل القطعة ملساء).

وقبل الوصول إلى النتيجة النهائية للعمل، يتم وضعها في الفرن لمدة ربع ساعة كي تكتسي بطبقة شمعية ناعمة، وفقًا لعبدالرحمن. 

وبالرغم من وجود بعض المعدات الحديثة، التي يمكن من خلالها النحت على الألباستر، يفضل الحرفيون في القرنة الصناعة اليدوية بعيدا عن تدخل الآلة، فذلك يشعرهم بأن ما ينجزونه يعتبر إنتاجا فنيا تتكفل به تجارب السنين الطويلة التي قضوها في هذه الحرفة.

ويشير عبدالرحمن إلى أنّ أجدادهم كانوا ينقلون الألباستر الخام من جبال نجع حمادي وأسيوط (محافظات صعيد مصر) بواسطة البغال والحمير بكميات قليلة. أمّا الآن فالسيارة الواحدة تساعد على إحضار ما بين 10 و15 طنا من الحجر الخفيف، موضحا أنّ وزن القطعة الواحدة يتراوح بين 150 و200 كغ، ثم يتم تكسيرها إلى قطع صغيرة تمهيدا لتشكيلها.

وتتنوع مخرجات هذا العمل بين الأطباق والمزهريات والأكواب ووحدات الإضاءة، إضافة إلى بيوت الشموع والتماثيل المجسمة للحيوانات مثل القطط والفيلة، والأهرامات الصغيرة. ويتم عرضها في معارض بمدينة الأقصر، لأجل بيعها للسياح كهدايا تذكارية بأسعار تتراوح بين 20 و500 جنيه (نحو 28 دولارا أميركيا).

ويقول عبدالرحمن “كان الفراعنة يستخدمون الألباستر في نحت تماثيل ملوكهم، مثل رمسيس الثاني، وتوت عنخ آمون، ونفرتيتي، إضافة إلى ‘الجعران المقدس” رمز الشمس المُشرقة”.

ويشير إلى أنّ مدرسة “الرمسيوم” التي بناها رمسيس الثاني بمعبد سيتي الأول في القرنة، هي الأولى في تعليم نحت الألباستر.

ينوه عبدالرحمن إلى أن القرنة تضم أكثر من 200 مصنع، تبدأ العمل عند السادسة صباحا، موضحا أنه يتم العمل بأدوات يدوية بدائية. ويشير إلى أن ارتفاع سعر البنزين أدى إلى مشكلة ارتفاع تكلفة نقل الحجر الخام.

رأس تمثال لكليوباترا منحوت من الألباستر
رأس تمثال لكليوباترا منحوت من الألباستر

وعن أنواع الألباستر يعدد الحرفي الذي ورث الحرفة عن عائلته “يضم الألباستر البازلت والغرانيت والحجر الجيري الذي تصنع منه اللوحات المرسومة، والديورايت وهو أشد أنواع الأحجار صلابة”.

ويؤكد أن “هذه الأنواع موجودة في مصر فقط”، وهو -حسب رأيه- ما جعل الصين تفشل في تقليد مصر ومنافستها رغم محاولات الصينيين المتكررة لتصميم أشكال متنوعة تشبه المنتج المصري بأسعار أقل.

وفي معرض قريب من الصناع يجمع كل الفنون التي نحتت، تجذب الألوان زوار الجنوب المصري، وكأنها سر فرعوني يكرر من جديد، خاصة في استعراض لألوان عدة من مظاهر الفراعنة.

وينادي بائع مصري بلغات عدة على ما في جعبته من تحف، وضع فيها النحت أسرار الجمال والإبهار.

ويقبل السياح على نداءاته ليتأملوا ويتعرفوا على الأسعار ويتجولوا داخل معرض أعد لعرض المنتجات التي تعيد سيرة الفراعنة الأولى.

عبدالرحمن من القلائل الذين مازالوا يعملون في هذا الفن الذي لا يعرف حرفة سواه، فقد بدأت المهنة تعاني من الركود بعد تقلص الوفود السياحية التي كانت تتوافد على محافظة الأقصر، فباتت صناعة الألباستر فريسة سهلة للمنتجات الصينية الرخيصة والمتوفرة بكثافة في أسواق الأقصر.

يقول محمود محمد الذي قضى معظم حياته يداعب حجر الألباستر إن الركود ضرب السياحة، بعد ثورة 25 يناير مباشرة، فاختار العديد من الحرفيين مهنا أخرى فتوقف العرض والطلب في الأسواق، بعد أن غاب السياح عن الأقصر، وهو ما اضطر أصحاب البازارات إلى بيع منتجاتهم بأسعار زهيدة من أجل توفير أجور العمال أو حتى مصاريف أسرهم.

ويجمع الحرفيون على أنه بدل أن تساعدهم الحكومة في الحفاظ على هذه الحرفة الفنية التي كانت تبهر السياح، صارت تلاحقهم بحجة أنهم يعملون دون ترخيص، وتحرر لهم الأجهزة الأمنية مخالفات في ذلك ولا يستطيعون استخراج تراخيص من وزارة السياحة لأن هذه التراخيص تكلفهم الآلاف من الجنيهات في فترة تشهد فيها المهنة ركودا تجاريا، وهذا سيجبرهم -حسب رأيهم- على ترك الحرفة التي يحبونها وامتهان مهنة توفر لهم ولأولادهم لقمة العيش.

20