فن سيئ السمعة

الأربعاء 2015/06/24

كنت دائما أتساءل بيني وبين نفسي عن الدافع وراء إصرار عدد كبير من الباحثين والنقاد والروائيين والصحفيين والمترجمين على أن يضيفوا إلى صفاتهم العديدة صفة “شاعر”، بالرغم من النكسات المهلكة التي تعترض شاعريتهم المرتجلة في كل مرة. ولعلك صادفت -عزيزي القارئ- غير ما مرة، في أحد اللقاءات الثقافية التي تعقد لتكريم أكاديمي لامع أو أديب بارع أو مؤرخ كبير أو سياسي مجيد، أحد زملائه في المهنة يعتلي المنبر للتنويه بخصال المكرم شعرا، دون سابق إنذار… ولن أنسى يوما، تلك المواقف المحرجة التي تعرضت لها حين كنت أسهم في تنظيم بعض اللقاءات الثقافية، عندما يطلب ناقد أو باحث، دعي للمساهمة في ندوة، أن يقرأ شعرا مع الشعراء، مؤكدا بشتى السبل أنه في الأصل شاعر، غمطت موهبته الشعرية حقها في الانتشار.

والحق أنه حين أعيد التأمل في الأمر بيني وبين نفسي أحسد هؤلاء، على تلك الشجاعة المتأصلة بداخلهم، التي تجعلهم يراهنون على فن صعب، ومحدود التداول، وسيّئ السمعة في سوق الثقافة والنشر، بقدر ما أتفهم ذلك الرحيل المفاجئ لشعراء حاذقين من الشعر إلى الرواية بشكل جماعي غير مسبوق، بينما يصرّ أولئك الفطريون على التضحية بجزء مهمّ من ذخائرهم في طباعة دواوين فاخرة لا تلبث أن تنتهي في أقرب صندوق للقمامة أو متروكة عمدا -لا سهوا- على كرسي في مقهى، بعد أن تنتزع منها بعناية صفحة الإهداء الرقيق المشفوع برقم الهاتف والبريد الإلكتروني.

وأظن أن الرأي العام الثقافي المغربي لا يزال يذكر ذلك العمود القاسي للقاص إدريس الخوري عن الديوان الذي اكتشفه مرميا في وعاء القمامة بحانة شهيرة في الرباط، ولم يتحرج في نقل عبارات الإهداء التي خطها الشاعر لصديقه، بانيا عليها هجائية قاسية للشعر والصداقة والحانة والمشهد الثقافي والبلاد والعباد، وهي الواقعة التي وقفتُ على شبيهات لها عشرات المرات، حين كنت أسافر إلى مؤتمرات خارج البلد، يخشى فيها الضيوف من الوزن الزائد، فيتخففون أول ما يتخففون بحمية قاسية من الدواوين المهداة، بحشرها في زوايا معتمة من غرف الفنادق.

أما أشدّ الوقائع إيلاما والتي جعلتني أشكك في القدرات العقلية لمن يفضّل أن يكون شاعرا من الدرجة العاشرة بدل صفته الأصلية، فهو ذلك الاستغفال الفظيع الذي يتعرض له من قبل أصحاب المطابع، في منشورات أقل ما يمكن أن توصف به أنها استعمال سيّئ للورق، لهذا تتبادر إلى ذهني دوما تلك النصيحة التي وجهها محمد بنيس إلى أحد الشعراء المبتدئين الذي جاءه طالبا مساعدته لإصدار ديوان، فسأله إن كان قد زار باريس؟ ولما أجاب بالنفي، قال له: أنفق ما ادخرته في زيارتها إذن، وعند عودتك قد تكون شاعرا حقيقيا، ولن تحتاج إلى الدفع لصاحب المطبعة.

كاتب من المغرب

15