فن قصصي غريب يحرر الإنسان ويفتح الأبواب لاكتشاف الجديد

عُرف التشيلي إليخاندرو جودورفسكي على مستوى عالمي بكونه كاتباً ومخرجاً سينمائياً ومسرحيّا وأحياناً قائداً روحياً، إذ شكلت أفلامه صدمة بصرية للمشاهدين ومحبي الغرائبيّة لما تحويه من عناصر رمزية وسورياليّة يتداخل فيها الخيال العلمي مع الثقافة الشعبية، لنرى أنفسنا أمام حكايات خياليّة أبطالها يمضون في رحلات عجيبة سواء على الصعيد الروحيّ أو نحو جغرافيات مجهولة كما فيلم “إيل تابو” و”الجبل المقدس” وغيرهما.
السبت 2017/10/07
قصص سوريالية تأخذنا في رحلة روحية خارج أنفسنا (رسمة لأحد أبطال جودورفسكي)

عُرف الكاتب والمخرج إليخاندرو جودورفسكي بأنه من مؤسسي حركة “بانيك” المسرحية في باريس خلال الستينات من القرن الماضي إلى جانب فيرناندو أربال ورولاند توبور، كما عرف بعرّاب الغرائبيّة التشيلي، ممثلا ظاهرة فنيّة حيّة، تنتمي إلى جيل كان الفنان فيه أشبه بطاقة إبداعيّة تمتد على طول العديد من المجالات والاختصاصات من الكتابة إلى الإخراج وغيره من مجالات الإبداع.

خطوط أولية

عام 1967 وُضع جودورفكسي على القائمة السوداء من قبل الحكومة المكسيكية، إذ تم منع مسرحياته من العرض، كما مُنع من التدريس في كلية الفنون الجميلة، إلا أن هذه الضغوطات التي مورست عليه لم تقف في وجه نشاطه الفنيّ، إذ قرر بالتعاون مع صديقه لوي سبوتا محرر قسم الثقافة في صحيفة ” ميكسيكو هيرالد” أن يقدم كل أسبوع على طول الصفحة الأخيرة حكاية مصورة ولمدة ثلاثة أشهر فقط تحت عنوان “حكايات الفزع”، لكن ما حدث أن هذا التعاون بين الاثنين امتد لست سنوات ونصف السنة إثر الشعبية الهائلة التي نالتها هذه الحكايات لدى متابعي الصحيفة وفي الأوساط الفنيّة والثقافيّة، إلى درجة أن بعض الحكايات كانت تنشر أكثر من مرة في أعداد مختلفة إثر إصرار القرّاء على إعادة نشرها.

صدرت هذا العام “حكايات الفزع” بأكملها في كتاب باللغة الإنكليزيّة، وعددها 284 حكاية كل واحدة منها على صفحة واحدة، وبالطبع جودورفسكي كان المسؤول عن عملية الإنتاج بأكملها من الكتابة حتى الرسم والتلوين والتوزيع ضمن الصفحة، وحسب تعبيره أن الحكايات الـ12 الأولى والتي كانت ضمن الاتفاق الأوليّ تشكل التساؤلات الجوهرية التي تحضر لاحقاً في مختلف أعماله السينمائية والمسرحيّة، فهي محاولات لفهم علاقة الإنسان بالآلة وبالعوالم المتخيلة إلى جانب هواجس جودوروفسكي الذاتيّة في سبيل تحرير مخيلته، أما في الحكايات التي تليها فيبدأ جودورفسكي باكتشاف جوانب فلسفية وجمالية تنتمي إلى مختلف المرجعيات الدينية والحياتيّة والفنيّة.

تحمل حكايات جودورفكسي خصائص شكلانيّة مرتبطة ببنية الحكاية الخرافيّة، فكل حكاية تحوي بطلاً واحداً يواجه عقبات أو يمتلك تساؤلات وجوديّة خاصة به، لنكتشف بعدها أن البطل كان ضحية سوء فهم أو سوء تقدير.

بعدها يواجه البطل النهايّة، التي تتلخص إما بحكمة ما تحلّ له مشكلته، وتجيب عن تساؤلاته، أو نهاية كارثّية كأن يفقد أحد أعضاءه أو أن يبقى حبيس آلة اخترعها وأودت به إلى النهاية.

حكايات المبدع جودورفكسي تحمل خصائص الحكاية الخرافية، فكل حكاية تحوي بطلا واحدا يواجه عقبات وتساؤلات وجودية

تقنيات الخيال

نلاحظ أن أبطال هذه الحكايات ليسوا دوماً كائنات بشريّة، بل تختلف طبيعتهم وتكوينهم، لنراهم إما أنصاف بشر وإما آلات وإما كائنات خرافيّة ذات خصائص خارقة، وفي بعض الأحيان يكون الأبطال مفاهيم بحد ذاتها، تتحرك ضمن عوالم عجائبيّة في سبيل الإضاءة على قصور التجربة الإنسانيّة، فهذه المخلوقات لها تساؤلات لا تنتمي إلى عوالم البشر الفيزيائيّة لكنها تتبنى الموقف البشري من العالم، كما في حكاية منشورة في الرابع عشر من أبريل عام 1968 التي نرى فيها كائناً يبدو ذا مرجعية دينيّة نصفه الأسفل مغمور في المياه والأعلى خارجها ويقول “لوقت طويل كنت أظن أن القسم السفلي من جسدي مغمور بمياه المحيط، تخيلت حينها أن لي أطرافا سفلية إنسانية أو حيوانية أو مجسّات أو أطرفا هندسية أو استطالات هيوليّة. لكني أخيراً أدركت أن القسم السفلي من جسدي هو الماء بأكمله، أنا لست مغموراً بالمياه، أنا امتداد لمياه المحيط على شكل لحم بشريّ”.

يصف جودورفسكي تجربته في هذه الحكايات بأنها رحلة اكتشاف روحيّ وفكري، فهو يسعى لصناعة فن يحرر الإنسان ويفتح الأبواب لاكتشاف عناصر جديدة وطرح تساؤلات جديدة يحويها اللاوعي، كما يؤكد جودورفسكي أن على الفنان أن يكون جزءا من منتجه الفني وعليه أن يتورط فيه فكرياً وشخصياً ويحضر داخله كما فعل هو في هذه القصص المصورة

يوضح جودورفسكي تجربته في نصوصه بقوله “في البداية كنت مريداً، والنتيجة كانت فضائحية إثر رحلتي اليائسة للبحث عن نفسي، لكن لاحقاً، حين عرفت نفسي، أصبحت أعتبر أنني سيد، لقد تبنيت دور السيد في العلن، لكني أعلم أنه في أعماق روحي مازلت مريداً حتى يوم مماتي، واليوم أعتبر نفسي مريداً سرياً”.

تحضر الصيغة الوعظية في أغلب الحكايات التي يحتويها الكتاب فالعلاقة بين المعلم/ السيد والمريد التي تحدث عنها جودورفسكي تحضر ضمن بعض الشخصيات التي يتكرر ظهور بعضها، أشبه بتعاليم سرية تتسلل على ألسنة الشخصيات لكشف سوء الفهم وترك الحيوية للخيال والرغبات والاندفاعات العاطفية لتأخذ مجراها دون أي قيد أخلاقيّ أو فكريّ، في محاولة لفهم طبيعة المفاهيم التي تتحكم في الإنسان ووجوده كالحب والموت والسعادة، ففي إحدى الحكايات نشاهد معلماً وتلميذاً، يسأل الأخيرُ فيها المعلم “أبي، ما هي السعادة؟” ليجيب الأستاذ الذي يحمل ملامح المسيح بقوله “السعادة هي أن تكون أقل قلقاً اليوم عما كنت البارحة”، ثم نرى المعلم ذاته يجيب عن سؤال “متى يكون الإنسان ناضجا؟” بقوله “حين يتعلم أن يتقبل ويحب قيمة الآخرين”.

16