فن مشاهدة الأفلام

الأربعاء 2018/01/31

يمكن أن تشاهد الآلاف من الأفلام، لكن هذا لا يجعل منك حجّة في فهم السينما، ولا في الإدلاء بآراء يعتدّ بها حول أفضل الأفلام وأسوأها، ففهم السينما مسألة لا تعتمد فقط على المشاهدة بل على الثقافة، أي على المشاهدة المتسلّحة بالقراءة والتعمّق في فهم فلسفة الفن، وعلاقة الإنسان بالإبداع، والاطلاع على ما أنجزته مدارس النقد الحديث، وأساسا، معرفة كيف تتذوّق فيلما، وكيف تفكّكه وتحلّله وتتوصّل إلى مناطق الجمال الكامنة فيه، من دون أن يعني هذا التقليل من شأن الإحساس الشخصي بالجمال، أي الحسّ الرفيع المباشر الذي يملك أيضا القدرة على تذوّق الموسيقى والفن التشكيلي والمسرح ويكون على صلة جيدة بالأدب.

الكثير ممن يكتبون على مواقع التواصل الاجتماعي عن الأفلام، يكتبون خواطر سريعة، غالبيتها العظمى تأتي متأثرة كثيرا بما يروّج من كلام، أي بما ينشر في المواقع الأجنبية عن الأفلام، والتي لا يمكن الاعتداد بمعظم ما يرد فيه، فهي كتابات استهلاكية سريعة أقرب ما تكون إلى “الانطباعات” التي إما ترفع فيلما ما متوسط القيمة إلى عنان السماء، وإما تخسف الأرض خسفا، بفيلم عظيم، فالأمر يتوقّف على المزاج الشخصي لمن يكتب انطلاقا من رغبته في تحقيق “الصدمة” لأصدقائه الذين يقرؤون كلماته، وهو الذي يريد أن يستحثهم على التعليق على ما ينشره.

والواضح أيضا أن سهولة النشر بمجرد ضغطة على أحد أزرار “الكيبورد”، تُساهم في شيوع الكثير من التعليقات السريعة الانطباعية السطحية، وعند هؤلاء لا يوجد عادة مقياس محدّد أو معيار للحكم على الأفلام، بل مجرد انطباعات سريعة تتأثّر بما يسمعه أو يقرؤه كاتبها في إحدى كبسولات “اختزال” الأفلام.

أُصدم كثيرا وأنا أطالع ما يكتبه بعض الشباب ممّن يصفون أنفسهم بأنهم “مجانين سينما” أو”سينيفيللين” -حسب التعبير الجديد الذي أصبح منتشرا بدرجة كبيرة رغم أن الكلمة غير عربية- فقد أصبح استخدام الكلمات الأجنبية أيضا تقليدا يغوي الكثيرين، وتبدو كلمة “السينيفليين” كما لو كانت وصفا لـ”مهنة” أو “وظيفة” ما، في مقابل كلمة “نقاد” التي يكنّ لها هؤلاء الازدراء، فهم يميلون عادة إلى الخلط بين النقد و”الفهلوة” الكتابية، أي بين الكتابة التحليليّة الرصينة عن الظواهر والأفلام والاتجاهات السينمائية، والتحقيقات الصحافية التي تهتم بالنجوم.

هؤلاء “السينيفليين” يلوك معظمهم الكثير من أسماء المخرجين الذين استقر الرأي في العالم على أنهم ضمن نادي “الكبار”، مثل تاركوفسكي وكياروستامي وغودار وتريفو وبرغمان وبونويل وهيتشكوك وغيرهم، لكن المشكلة أن إعجابهم أو رفضهم لأعمال هذا المخرج أو ذاك، لا تفهم له سببا، فأحدهم على سبيل المثال، يكتب إنه “أنا لا أحب أفلام غودار واعتقد أنها أفلام مفتعلة سخيفة”، متسائلا في استظراف واضح “فهل هذا يجعلني أدخل النار مثلا؟”، يمكن بالطبع تناول أعمال مخرج ما من زاوية سلبية شريطة الاستناد إلى مبررّات نقدية، لا إطلاق الأحكام بهذا القدر من الاستسهال.

من جهة أخرى قد يكتب شخص ما، يتغزّل في ما تتضمنه أفلام تاكوفسكي أو كياروستامي مثلا، من شعر، دون أن يدلّل لنا على ما يقوله ولو بمثال واحد من داخل الأفلام نفسها، فالكلام لا يزيد عن تكرار لما يسمعه وما يقرؤه في عجالات سريعة على المواقع، وعمّا قاله كبار المخرجين، وكلها أقوال تمتلئ عادة بالمبالغات التي يرسلها المخرجون لزملائهم، خاصة ما يكتبونه في لحظات التأثّر، فليس من المعقول أن نصادق دون مناقشة على ما قاله غودار عند وفاة كياروستامي من أن “السينما تبدأ بغريفيث وتنتهي بكياروستامي”، وهي عبارة ملتبسة على أي حال!

يتناقل الكثيرون أيضا الكثير من الأقوال “المأثورة” المنسوبة إلى كبار السينمائيين في العالم، سواء عن أعمالهم أو عن نظرتهم للسينما بشكل عام، ولكن من دون أن يقولوا أين قالها من قالها، وفي أي مناسبة، فقد أصبح من الممكن نسب أقوال مخترعة، لكي تخدم الفكرة التي يرمي إليها كاتبها، وهي مشكلة أخرى من مشاكل “الإنترنت”.

ناقد سينمائي مصري

16