"فن من سوريا" يقيم شامخا في منزل رافيا قضماني بدبي

اختتم مؤخرا بدبي المعرض الجماعي “فن من سوريا”، والذي أقيم تحديدا في منزل المقتنية السورية رافيا قضماني، حيث شارك في هذا المعرض الجماعي، أربعة عشر فنانا سوريا، من جيلين مختلفين.
الجمعة 2016/04/29
لوحات تغمز وترمز

لم تتحول بنية الفن التشكيلي السوري، بعد الثورة السورية في عام 2011، كما حدث مع باقي الفنون البصرية الأخرى، في تحولها الكلي، لا سيما حينما تحول كل من السينما والفوتوغراف، صوب الواقع، إذ أربك الموطن المصور، في سوريا، أي حضور بصري آخر، وكانت الأعمال البصرية الفوتوغرافية أو السينمائية تلحق بالوثائقية الآنية، وتحاول الروي، والتبديل في الرؤية، قليلا، حتى تزيح غبار المعركة، وتتجلى لمسة الفن، في حين بقي الفن التشكيلي يصارع أشكالا قديمة، ويعيد ترتيبها وفق حيثيات الثورة، والجثث، والمعركة مع النظام السوري.

لا شيء تغير مثلا في لوحة الفنان السوري يوسف عبدلكي، رغم أنه الوحيد الذي يمكن أن نربط خطه التشكيلي، وخطوطه السوداء الفاحمة، مع السياسة وتحديها في طلب الحرية، وأيضا مع تهالك الكائنات وتيبسها وتحولها إلى أشياء متروكة وميتة. هذا الموت الذي تحدث عنه عبدلكي، موت قيمة الحياة السورية، هو موضوع قديم ومستمر. بيد أن باقي التجارب، لا سيما الشابة استبدلت ملابس شخوصها أو وضعيات أجسادها، فقط، لتتحرك ضمن الصورة ذاتها، التي يتحرك فيها الشارع السوري الثائر، والمقتول، والمنكوب، والمنكّل به.

وهذا قد ينطبق، على المعرض الجماعي “فن من سوريا” الذي عرض مؤخرا في منزل المقتنية السورية رافيا قضماني بدبي، والذي شارك فيه أربعة عشر فنانا سوريا، من جيلين مختلفين، هم: خزيمة علواني، وماهر البارودي، وهمام السيد، وطارق بطيحي، ولطفي رمحين، وخالد ضوا، ويوسف عبدلكي، ومنيف عجاج، وعبدالله مراد، وكيفورك مراد، وفادي يازيجي، وريم يسوف، وزافين يوسف وعمران يونس.

تغيرات طفيفة على اللوحة السورية، وعلى تشكل معنى الكائنات فيها، تغيرات تكاد لا تحرك أي انفعال عاطفي، لدى المتلقي، فحينما كانت الحرب في بلاد بيكاسو، كان ينجز أعمالا، لا يمكن قياسها وفق الحدث الآني فقط، إلاّ أن المعرض تغيب عنه أعمال لبعض الفنانين المؤثرين فعلا، في الضمير السوري الفني. مثلا لم نشاهد لوحة القاشوش، للفنان التشكيلي السوري، المقيم في أميركا، خليل يونس، هذه اللوحة التي لا شيء يخدش جمالها، سوى هذا العنق المذبوح للشخص المرسوم، عنق مشقوق، كما لو أنه شجرة، أو أرض يابسة مطعونة، ليس في اللوحة عنف، لكنها تنبض بما يتألم منه السوريون.

بقي الفن التشكيلي يصارع أشكالا قديمة، ويعيد ترتيبها وفق حيثيات الثورة، والجثث، والمعركة مع النظام السوري

تقول قضماني عن الأعمال المشاركة “أتابع مذهولة خلال خمس سنوات هذا الإنتاج الفني الغني، اليوم، قناعتي كبيرة بأهمية وضرورة عرض مجموعة من الأعمال السورية، لمشاركة الناس بردّات الأفعال التي خرجت من الفنانين السوريين عن الثورة والحرب الطاحنة التي تدور الآن في بلدهم”.

ومثلا في لوحة همام السيد، يظهر الكائن ذاته، الذي يشبه في تهكمه الشاعر السوري الراحل الماغوط، لكنه يلف حول رقبته وشاحا، عليه رسم، بورتريهات متتابعة عن الذعر السوري، وخوف الوجوه المقتولة، هكذا يبدو الوشاح كنوع من الديكور الأرستقراطي.

وتشبه الحالة التي يجسدها الفنان الشاب، التهافت الحالي على استثمار القضية السورية، من فئات معارضة، إنه نوع من دوران السلطة، وتكاثرها. أما النحات السوري خالد ضوا، فهو يعيد ترتيب وضعية الطاغية، على كرسيه، هذا الطاغية المنتفخ من تسلطه وبطشه، هو حيز من الجسد المتقرح من شدة جلوسه، وطول فترة ركونه وتشبثه بالكرسي.

ويظهر في أعمال ضوا، تلخيص لحالات نفسية مرّ بها الفنان، فلا يمكن هنا، أن يتساوى من دفع ضريبة مع من مرّ على التهلكة السورية، دونما خسائر، فالخسائر تظهر في العمل الإبداعي، حتما، كما تتدفق الدماء في ماء النهر، وإن كان الجميع طحن.

في حين أن الثورة الهائلة التي من الممكن أن تتم، هي في الأصل تلك الثورة الفردية في الفن، الثورة التي تعبر عن حالة خاصة لدى الفرد السوري، وفي هذا المدرك، تبدو لوحة الفنانة ريم يسوف، متمردة على القيمة الجمعية، ومحاولة أن تحيط بذاتيتها، وإحباطها الخاص، ذلك الإحباط الطيفي، الذي هو انعكاس لمرحلة الجماعة، لكنه ليس مباشرا في التعبير عمّا يجري في البلاد.

وعدا ذلك، تبقى تلك اللوحات التي يرسمها الفنان السوري ماهر البارودي، لوحات من زمن أدرك فيه، جيل الفنان، معنى دفع الثمن، وربما أخذه ذلك، لرسم الرمز عبر لوحات تشخص الخروف، هذه الأضحية التي هي نحن، في شكل من أشكال استعدادها، للذبح، والتي تقدم كل يوم، مقابل وطن لا يدافع عن جميع أبنائه.

17