فهرنهايت‮ 6102: موسم‭ ‬حرق‭ ‬الكتب‭ ‬ومن‭ ‬يكتبها

الأحد 2016/10/16
‭ ‬“تركت‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬تكتب‭ ‬بها‭ ‬خير‭ ‬الأجل،‭ ‬فإن‭ ‬رأيتها‭ ‬تخونك‭ ‬فاجعلها‭ ‬طعمة‭ ‬للنار”‭

بذكائه ‭ ‬المعروف‭ ‬استخدام‭ ‬الكاتب‭ ‬أسامة‭ ‬أنور‭ ‬عكاشة‭ ‬مشهد‭ ‬حرق‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬“فهرنهايت‭ ‬451”‭ ‬تشاهده‭ ‬ابنة‭ ‬فضة‭ ‬المعداوي،‭ ‬رمز‭ ‬القبح‭ ‬والسوقية‭ ‬والابتذال،‭ ‬طبعاَ‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تفهم‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬أراده‭ ‬الفيلم؛‭ ‬أن‭ ‬سيأتي‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬يومًا‭ ‬يصبح‭ ‬فيه‭ ‬الفكر‭ ‬جريمة‭ ‬بالغة‭ ‬الشناعة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬راي‭ ‬برادبوري،‭ ‬مؤلف‭ ‬الرواية‭ ‬المأخوذة‭ ‬عنها‭ ‬الفيلم‭ ‬سالف‭ ‬الذكر‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬بباله‭ ‬أن‭ ‬الطغاة‭ ‬سيتحمسون‭ ‬للفكرة‭ ‬لدرجة‭ ‬حرق‭ ‬المفكرين‭ ‬أنفسهم‭! ‬لمَ‭ ‬لا‭ ‬وقد‭ ‬تحولت‭ ‬النهاية‭ ‬المفتوحة‭ ‬لمسلسل‭ ‬عكاشة‭ ‬‭(‬الراية‭ ‬البيضا‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬مُر؛‭ ‬بلدوزر‭ ‬البلطجة‭ ‬والاستهلاك‭ ‬والاستغلال‭ ‬يسحق‭ ‬النبلاء‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جميل‭. ‬المسلسل‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬محاولات‭ ‬بائعة‭ ‬السمك‭ ‬المليونيرة‭ ‬المتصالحة‭ ‬مع‭ ‬قاع‭ ‬المدينة‭ ‬ومع‭ ‬نفوذ‭ ‬علية‭ ‬القوم،‭ ‬لهدم‭ ‬فيلا‭ ‬الدكتور‭ ‬مفيد‭ ‬أبو‭ ‬الغار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬البنايات‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬ومهما‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬الكارثة‭ ‬فأنت‭ ‬معذور‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تنتبه،‭ ‬فهذه‭ ‬مسائل‭ ‬تهون‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬تسلِّم‭ ‬عمليات‭ ‬ترميم‭ ‬آثارها‭ ‬الفرعونية‭ ‬لعمال‭ ‬محارة،‭ ‬وتزيّن‭ ‬معابد‭ ‬أجدادها‭ ‬بفوانيس‭ ‬ورقية‭ ‬مصنوعة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬لاستقبال‭ ‬السيد‭ ‬المحافظ‭ ‬والوفد‭ ‬الآسيوي‭!‬

عندما‭ ‬حكمت‭ ‬المحكمة‭ ‬بسجن‭ ‬وتغريم‭ ‬أحمد‭ ‬ناجى‭ ‬لنشر‭ ‬أحد‭ ‬فصول‭ ‬روايته‭ ‬“استخدام‭ ‬الحياة”،‭ ‬بعد‭ ‬سجن‭ ‬إسلام‭ ‬البحيري‭ ‬بتهمة‭ ‬فتح‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬وتفنيد‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬‭-‬ولسنا‭ ‬بصدد‭ ‬مناقشة‭ ‬أخلاقيات‭ ‬الرواية‭ ‬أو‭ ‬دوافع‭ ‬إسلام‭-‬‭ ‬انطلقت‭ ‬حملة‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬فيسبوك‭ ‬تدعو‭ ‬المبدعين‭ ‬لإحراق‭ ‬كتبهم‭ ‬بأنفسهم‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬وطبعاَ‭ ‬هذا‭ ‬كلام‭ ‬فارغ،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬مكافحة‭ ‬العنت‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬بهذه‭ ‬الطرق‭ ‬الهستيرية،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تهتم‭ ‬بهذا‭ ‬الهراء‭ ‬بالمرة‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الشباب‭ ‬سيجتمعون‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬ليحرقوا‭ ‬بعض‭ ‬النسخ‭ ‬من‭ ‬رواياتهم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تباع‭ ‬أصلاَ‭ ‬تحت‭ ‬سمع‭ ‬ونظرات‭ ‬بعض‭ ‬أمناء‭ ‬الشرطة‭ ‬الساخرة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬مرأى‭ ‬الكتب‭ ‬تحترق‭ ‬مشوق‭ ‬يثلج‭ ‬صدر‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬متجبرة‭ ‬طاغية‭. ‬أنت‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬أكبر‭ ‬رأس‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬يعشق‭ ‬الحكمة‭ ‬فإنه‭ ‬سيضعها‭ ‬تحت‭ ‬قدميه‭ ‬فورًا‭ ‬إذا‭ ‬تبين‭ ‬أنها‭ ‬ضد‭ ‬أمانه‭ ‬الخاص‭.‬

كان‭ ‬الحاجب‭ ‬الأندلسي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬الهجري،‭ ‬المنصور‭ ‬أبن‭ ‬أبي‭ ‬عامر‭ ‬شغوفًا‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬يتعمق‭ ‬فيها‭ ‬ويكرم‭ ‬المؤلفين‭ ‬لها،‭ ‬لكنه‭ ‬حين‭ ‬رأى‭ ‬جموع‭ ‬المتزمتين‭ ‬من‭ ‬الشيوخ‭ ‬ضدها‭ ‬وأنها‭ ‬قد‭ ‬تفض‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬تأييدهم،‭ ‬انتصر‭ ‬لأغراضه‭ ‬السياسية‭ ‬فورًا‭ ‬وأخرج‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬خزانة‭ ‬الحكم‭ ‬المستنصر،‭ ‬الخليفة‭ ‬العاشق‭ ‬للكتب،‭ ‬وكان‭ ‬بها‭ ‬نحو‭ ‬أربعمئة‭ ‬ألف‭ ‬مجلد،‭ ‬فعزل‭ ‬منها‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحوي‭ ‬علوم‭ ‬الأوائل‭ ‬وألقى‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬نظريات‭ ‬رياضية‭ ‬ومناقشات‭ ‬فلسفية‭ ‬ومعادلات‭ ‬كيميائية،‭ ‬ألقى‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬النار،‭ ‬حرق‭ ‬كل‭ ‬العلوم‭ ‬حتى‭ ‬يظفر‭ ‬برضا‭ ‬المشايخ‭ ‬عن‭ ‬كرسيه‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬مصير‭ ‬مكتبة‭ ‬الحكم،‭ ‬أشهر‭ ‬مكتبة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬والأندلس‭.

تخطيط: عاصم الباشا

أما‭ ‬أن‭ ‬تغرق‭ ‬سُفنك‭ ‬بيدك‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يمنحك‭ ‬الشجاعة‭ ‬التي‭ ‬تفترضها،‭ ‬بل‭ ‬يضطرك‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬الحتمي،‭ ‬أو‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬لديك‭ ‬بعض‭ ‬الوقت،‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬السفينة‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الثلاثينات‭ ‬كان‭ ‬الدكتور‭ ‬شاكر‭ ‬مصطفى‭ ‬وبعض‭ ‬أصدقائه‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬بالسراويل‭ ‬القصيرة‭ ‬مفتونين‭ ‬بالمقاومة‭ ‬ضد‭ ‬المحتل‭ ‬الفرنسي،‭ ‬يتظاهرون‭ ‬في‭ ‬الأزقة‭ ‬ويرمون‭ ‬الجنود‭ ‬بالحجارة‭ ‬ويهرولون‭ ‬هرباَ،‭ ‬ويوزعون‭ ‬المنشورات‭ ‬الخ‭. ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬عرفوا‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يضربون‭ ‬مسلمين‭ ‬مثلهم‭ ‬‭(‬مستعمرين‭ ‬لهم‭)‬‭ ‬إذ‭ ‬لجأت‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬جند‭ ‬من‭ ‬السينغال‭ ‬وخيالة‭ ‬مغاربة،‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬قال‭ ‬زعيم‭ ‬من‭ ‬زعمائهم‭ ‬الطلبة‭ ‬“غداَ‭ ‬سنحرق‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المظاهرة‭ ‬الكتب‭ ‬الفرنسية‭!‬”‭ ‬كان‭ ‬الطلبة‭ ‬يكرهون‭ ‬كتب‭ ‬المدرسة‭ ‬المطبوعة‭ ‬بلغة‭ ‬المستعمر،‭ ‬ويهربون‭ ‬من‭ ‬تعلّمها‭ ‬ويضيعون‭ ‬دروس‭ ‬أساتذتها‭ ‬ولا‭ ‬يحفظون‭ ‬المطلوب‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المقاومة‭.

خرجوا‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬وكل‭ ‬منهم‭ ‬قد‭ ‬نفخ‭ ‬حقيبته‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬جمعه‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬الفرنسية‭ ‬والأجنبية‭ ‬وأيّ‭ ‬لغة‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬بل‭ ‬والروايات‭ ‬والجرائد‭ ‬والمجلات‭ ‬وبين‭ ‬الصياح‭ ‬والصخب‭ ‬ألقوا‭ ‬أثقالهم‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المدينة‭. ‬هوجه‭ ‬ضخمة‭. ‬جبل‭ ‬من‭ ‬الدفاتر‭ ‬والمجلدات،‭ ‬ولم‭ ‬يلتفت‭ ‬أحد‭ ‬لحياء‭ ‬بعضهم‭ ‬إزاء‭ ‬رش‭ ‬البنزين‭ ‬وإشعال‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الكتب‭. ‬علا‭ ‬لهيب‭ ‬ألسنة‭ ‬حمراء‭ ‬وبرتقالية‭ ‬تلتهم‭ ‬الأفكار‭ ‬والكلام‭ ‬وكانت‭ ‬تؤجَّج‭ ‬بالكتب‭ ‬التي‭ ‬يتوالى‭ ‬ورودها‭. ‬ظنوا‭ ‬أنهم‭ ‬يحرقون‭ ‬الثقافة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬ظنوا‭ ‬أنهم‭ ‬يحرقون‭ ‬قلب‭ ‬المستعمر،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لديه‭ ‬أيّ‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬الهمجي‭ ‬السخيف‭ ‬والصبية‭ ‬يرقصون‭ ‬حول‭ ‬النار‭ ‬كالمخابيل‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬الهنود‭ ‬الحمر‭. ‬طبعا‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬العلقة‭ ‬الساخنة‭ ‬التي‭ ‬تلقاها‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬عندما‭ ‬عاد‭ ‬للبيت‭ ‬واكتشف‭ ‬والده‭ ‬أنه‭ ‬مضطر‭ ‬لشراء‭ ‬كتب‭ ‬مدرسية‭ ‬جديدة‭ ‬بدل‭ ‬التي‭ ‬أحرقها‭ ‬ابنه‭ ‬وهو‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬وطني‭ ‬مناضل‭!‬

الآن‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬الواحد‭ ‬إذا‭ ‬حرق‭ ‬كتب‭ ‬بنفسه،‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الشاعر‭ ‬عبدالسلام‭ ‬ديك‭ ‬الجن‭ ‬الحمصي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬جاريته‭ ‬فكاكًا‭ ‬إلا‭ ‬بخنقها‭ ‬وحرقها‭ ‬وسكر‭ ‬بكأس‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬جثتها‭ ‬وهو‭ ‬يبكي‭ ‬“أعلمت‭ ‬كفي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬خناقها،‭ ‬ومدامعي‭ ‬تجري‭ ‬على‭ ‬خديها”‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬كحرق‭ ‬التوحيدي‭ ‬لكتبه‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬عمره‭ ‬لقلة‭ ‬جدواها،‭ ‬فحتى‭ ‬أغلب‭ ‬مثقفينا‭ ‬الأجلاء‭ ‬لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬بدافع‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬جهل‭ ‬وكثير‭ ‬غرور،‭ ‬أن‭ ‬كتبهم‭ ‬محروقة‭ ‬على‭ ‬الأرفف‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬أفلاك‭ ‬غامضة‭ ‬عبثية‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬أيّ‭ ‬شيء،‭ ‬يتمترسون‭ ‬خلف‭ ‬الغشاء‭ ‬الرهيف‭ ‬بين‭ ‬صراحة‭ ‬الفكر‭ ‬وجرأة‭ ‬القلم‭ ‬دون‭ ‬ندوات‭ ‬وأمسيات‭ ‬وهراء‭ ‬مماثل‭ ‬للتابوهات‭ ‬التي‭ ‬يعتقد‭ ‬أصحاب‭ ‬الأقلام‭ ‬الرفيعة‭ ‬أنهم‭ ‬رائعون‭ ‬لأنهم‭ ‬يحومون‭ ‬حولها‭.

أبناء‭ ‬الشارع‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬بها‭ ‬يلعنون‭ ‬أديان‭ ‬بعضهم‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الظلم‭ ‬والفقر‭ ‬والعنف،‭ ‬ويحافظون‭ ‬بأمانة‭ ‬شديدة‭ ‬على‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬أغاني‭ ‬الأفراح‭ ‬الجنسية،‭ ‬وآمنوا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬عميقة‭ ‬من‭ ‬الضمير‭ ‬الجمعي‭ ‬بأن‭ ‬تصريحات‭ ‬الوزراء‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬قذارة،‭ ‬أما‭ ‬رحلات‭ ‬تعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬ليست‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نزهة‭ ‬ندفع‭ ‬ثمنها،‭ ‬ولا‭ ‬حاجة‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬برلمان‭ ‬المساخر‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه،‭ ‬فقد‭ ‬جاؤوا‭ ‬بالخلاصة‭ ‬وعرفوا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬المسألة‭ ‬هي‭ ‬“مصالح”‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭. ‬هذا‭ ‬يسكت‭ ‬لأن‭ ‬الكلام‭ ‬بلا‭ ‬جدوى،‭ ‬وذاك‭ ‬يرتشي‭ ‬ويتوسط‭ ‬ويداهن‭ ‬حتى‭ ‬يمشي‭ ‬الحال،‭ ‬وليذهب‭ ‬الشباب‭ ‬السيس‭ ‬إلى‭ ‬الجحيم‭ ‬إذا‭ ‬أرادوا‭ ‬ثورة‭ ‬جديدة،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تسلية‭ ‬تحرك‭ ‬ملل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية.

الأوْلى‭ ‬ببعض‭ ‬مثقفينا‭ ‬أن‭ ‬يراجعوا‭ ‬مهازلهم‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬بالصمت‭ ‬الجبان،‭ ‬مروراَ‭ ‬بأعمدة‭ ‬الرأي‭ ‬المثيرة‭ ‬للغثيان‭ ‬في‭ ‬الجرائد‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬تمرّ‭ ‬بعينك‭ ‬من‭ ‬أولها‭ ‬إلى‭ ‬آخرها‭ ‬فلا‭ ‬تلفت‭ ‬نظرك‭ ‬كلمة‭ ‬توحد‭ ‬الله‭ ‬لها‭ ‬معنى‭ ‬واضح،‭ ‬تحفل‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الجملة‭ ‬السمجة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬“المطلوب‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬القادمة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‮»‬،‭ ‬نهاية‭ ‬بالزحف‭ ‬المقدس‭ ‬لمغازلة‭ ‬مجلات‭ ‬الخليج‭ ‬الفاخرة‭ ‬وانتظار‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬يقتضي‭ ‬وصولها‭ ‬ضبط‭ ‬النص‭ ‬وتعديل‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭. ‬أما‭ ‬إن‭ ‬لزم‭ ‬أن‭ ‬تحرق‭ ‬ما‭ ‬كتبته‭ ‬فاتبع‭ ‬قول‭ ‬أبي‭ ‬سعيد‭ ‬السيرافي‭ ‬سيد‭ ‬العلماء‭ ‬لولده‭ ‬“تركت‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬تكتب‭ ‬بها‭ ‬خير‭ ‬الأجل،‭ ‬فإن‭ ‬رأيتها‭ ‬تخونك‭ ‬فاجعلها‭ ‬طعمة‭ ‬للنار”‭.‬

كاتب من مصر

11