فهم نزعات تطرف الرجال يسّهل فك شفرة عنف النساء

الأيديولوجيا والجنس أداتا استقطاب جاذبة للنساء في التنظيمات المتطرفة.
الاثنين 2019/06/24
أغلبهن ضحايا ذكورية سامة

أدى انحصار أدوار تنظيم الدولة الإسلامية بعد مقتل أو هروب قياداته الرجالية الخطيرة أو القبض عليهم في السنوات الأخيرة بعد الهزائم التي تلقاها التنظيم المتطرف في كل من سوريا والعراق، إلى بروز مخاوف جديدة في أوروبا من أن يحوّل ما تبقى من التنظيم إستراتيجيته القتالية للتركيز على النساء أو “الجهاديات”. ولكل هذا باتت كل الخطط الحكومية ومراكز الدراسات تثير موضوعات سابقة كالتطرف المؤنث لكن بقراءات متجدّدة مواكبة للتطورات وللخسائر التي تلقتها التنظيمات المتطرفة بتسليط الضوء مجدّدا على أدوار الإناث في نشر دعاية تنظيم الدولة الإسلامية، لكن بربط ذلك بأسباب تطرف الذكور التي تكون في غالب الأحيان مدخلا أساسيا لعنف النساء.

لندن  – أعادت تصريحات بعض النساء الداعشيات المحتجزات لدى قوات سوريا الديمقراطية في سوريا بأن “دولة الخلافة ستعود”، الجدل حول الأدوار الممكنة للتطرف المؤنث في إحياء تنظيم داعش المهزوم عسكريا وميدانيا في مختلف دول العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.

مع تقلص مخاطر التنظيم المتطرف في أغلب الدول بعد القضاء على أخطر قياداته الرجالية، باتت أغلب مراكز الدراسات خاصة بعد ظهور زعيم تنظيم داعش أبوبكر البغدادي مؤخرا في تسجيل مصور، تركز بحوثها على أهم العوامل التي قد تعيد التنظيم المتشدد إلى دائرة الضوء بتناول أدوار الإناث في الدعاية الداعشية وخاصة في أوروبا.

إليزابيث بيرسون: يجب فهم آثار الذكورية في خلق تطرف النساء
إليزابيث بيرسون: يجب فهم آثار الذكورية في خلق تطرف النساء

وفي قلب هذا الرهان الأوروبي التائق لقطع الطريق أمام الجهاديات للترويج مجدّدا للتنظيم المتطرف، قالت وكالة الشرطة الأوروبية (اليوروبول) في تقرير مؤخرا إن تجنيد النساء في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية واستغلالهن لدعم أهداف الشبكة المتطرفة يمكن أن يمهدا الطريق لأدوار جديدة ستشغلها النساء في الجماعات الجهادية مستقبلا.

وفي تقرير عنوانه “المرأة في دعاية الدولة الإسلامية” تحدثت وكالة الشرطة الأوروبية في 34 صفحة عن الجهاديات، قائلة إن دوافعهن الأيديولوجية وإحساسهن بالقوة مثل نظرائهن الرجال يكمنان في مساهمتهن في بناء الدولة الإسلامية.

ويخلص التقرير إلى أن النساء اللاتي نفذن هجمات متطرفة أو تم إيقافهن قبل ذلك “يثبتن استعداد الجهاديات لاستخدام العنف إذا سمحت لهن أيديولوجيتهن بذلك”. مؤكدا “أنه في الوقت الحالي، لم يحن دورهن بعد، لكن قد يتغير ذلك بسهولة وفقا لاحتياجات المنظمة الإستراتيجية والتطورات التي تشهدها على أرض الواقع″.

كل هذه المخاطر تستدعي وجوب البحث مجدّدا في أصول وأسباب عنف النساء وتنزيله على الواقع الحالي الذي تمر به التنظيمات المتطرفة وأهمها داعش، حيث أكد الكثير من الخبراء أن الوضع يتطلب عدم التعاطي مع المسألة على قاعدة التفريق بين الجنسين بل بالتركيز على الارتباط العضوي بين تطرف الذكور وتداعياته على النساء.

وفي هذا الصدد، نشرت مؤسسة توني بلير للتغير العالمي تقريرا جديدا حول الذكورية والعنف المتطرف وارتباط ذلك بعنف النساء، مؤكّدا على وجوب ألا تتعامل السياسة مع الفارق بين الجنسين أي من منظور المرأة فقط.

وتقول كاتبة التقرير إليزابيث بيرسون “يعد معظم المتطرفين، من الجهاديين واليمين المتشدد، من الرجال، ولكن لا ينبغي اعتبار عنف الذكور أمرا مسلما به أمام غياب عنف الإناث”.

فهمت الحكومة البريطانية تأثير جنس الأفراد في سياق التطرف في تضمين النساء المسلمات في برنامج “منع” الحكومي الذي ترعاه وزارة الداخلية لمكافحة التطرف، والوعي بدعم النساء البريطانيات المتزايد لداعش. وسبق للصحافية نادية خومامي أن حذرت في تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية من خطر العمليات الجهادية التي قد تشنها نساء عدن من سوريا والعراق.

ويحذر التقرير من وجوب ألا تتعامل السياسة مع الفارق بين الجنسين من منظور المرأة فقط. ويبقى تحليل الذكورية في التطرف مهمّا لفهم الفارق، حيث تعد الروايات الحالية حول “الذكورية السامة” وأزمتها أساسية في المناقشات التي تتطرق إلى التطرف.

ولفهم مدى احتمال عنف الإناث في داعش، يجب فهم آثار الذكورية في أيديولوجيا وثقافة الجماعات المتشددة، ويحذر تحليل معهد توني بلير للتغيير العالمي من استخدام الذكورية لرسم صورة مشوهة لمجموعات معينة من الرجال مثل الشباب البريطاني المسلم.

وبدلا من ذلك، إذا أرادت سياسات الحد من التطرف العنيف أن تنجح، فيجب عليها التعامل مع الجنس بطرق تتجاوز التركيز على النساء.

ويستشهد التقرير بأنه غالبا ما تعدّ مشاركة المرأة في أعمال العنف المباشرة محدودة، حيث تمنح بعض التنظيمات العنيفة المساواة بين الجنسين في الأدوار القيادية والقتال.

وأشار تقرير نشر سنة 2010 حول الإرهاب في صفوف الإناث إلى أن النساء يمثلن “قوى مهيمنة” في الجماعات اليسارية ذات الأيديولوجيا النسوية، فيما تغيب النساء كمقاتلات أو قيادات في الجماعات الفلسطينية واليمين المتطرف الأميركي ومنظمة إيتا الباسكية الانفصالية والجيش الجمهوري الأيرلندي والقاعدة، إذ يتبنى الرجال هذه الأدوار عادة.

وفي المملكة المتحدة على سبيل المثال، ارتكب الرجال حوالي 96 بالمئة من الجرائم الإرهابية بين عامي 1999 و2010. ولم تدن سوى امرأة واحدة بالعنف الناتج عن التطرف الإسلامي في بريطانيا حتى الآن.

وبالتالي، تعتبر الذكورية عنصرا أساسيا لفهم العنف في صفوف الإناث، ويعتبر ظهور داعش مثالا يبين ضرورة اعتماد هذا النهج، حيث دفعت هجرة الآلاف من النساء والفتيات من جميع أنحاء العالم للانضمام إلى المجموعة إلى التساؤل حول كيفية استقطابهن إلى دولة غير معترف بها، أعلنت نفسها بنفسها وتفخر بوحشيتها، رغم أن الفكرة تبدو متناقضة، حيث قد تشعر النساء بنوع من القوة في مجموعة تفرض قيودا صارمة على لباسهن وحركتهن وأنشطتهن الجنسية وسلوكهن، وتغتصب الأسيرات.

Thumbnail

ومع انتشار تقارير سابقة عن موجة الجهاديات العالمية، تسبب تحول جيوش من النساء إلى سوريا والعراق في انتشار مخاوف في الحكومات والإعلام من تزايد خطر شنهن لهجمات عنيفة في أوروبا.

ويزيد فهم هيكلة داعش المتجذر في الثقافة والأيديولوجيا الذكورية، من إيضاح جاذبية المجموعة للنساء. كما يزيد هذا من تقدير احتمال ارتكاب النساء لجرائم باسم داعش.

وكغيرها من الجماعات الإسلامية العنيفة التي سبقتها، جاءت أيديولوجيا داعش لمناهضة الحداثة والعلمانية. ويبرز تطور السياسة الإسلامية المتطرفة في القرن الماضي أين تظهر بصمات أمثال المصري سيد قطب الذي دعا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية لمكافحة الاضمحلال الأخلاقي في الغرب العلماني، وخاصة على المستوى الجنسي.

وعادة ما تدرج خصال الشجاعة والقدرة على القتال للذكور، وتجمع الأنوثة صفات الرعاية والأمومة والعفة والطهارة، حيث يثبت الذكور رجولتهم وقوتهم في شن معارك لحماية النساء المسلمات. وتتوجه بعض النساء لمعاقل التنظيم في سوريا والعراق للزواج وإنجاب الأطفال، ولكن يختار بعضهن تبني دور أكثر نشاطا كالانضمام لكتيبة الخنساء، وهي فرقة نسائية لتطبيق القانون في داعش.

وتحدث البيان غير الرسمي الذي نشرته الكتيبة المتطرفة عن تزايد عدم المساواة في الثروة، وأدان “المؤسسات الفاسدة” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحسب الكتيبة، لا تنفذ النساء في الغرب أدوارهن الأساسية على أكمل وجه لغياب الرجولة في مجتمعاتهن. وأشرن إلى بعض الرجال الذين لا يتحملون مسؤوليتهم تجاه أمتهم أو دينهم ومنازلهم وأبنائهم، والذين يعتمدون على زوجاتهم لتعيلهم. وجاء هذا البيان كمقارنة تبين رجولة أبناء التنظيم.

13