فواز القادري شاعر علّم نفسه القراءة والكتابة متجاوزا حدود الهويات

السبت 2015/04/25
فواز القادري القادم من سهوب ماردين إلى عوالم الفرات المتدفق دما

مدن الفرات التي غابت بين ظلامين، ظلام السنوات التي حبسها فيها الحكم المستبد المتجاهل لخزّانها المعرفي والجمالي، وظلام المتطرفين اليوم الذي يختطف الموصل شرقاً ودير الزور غرباً والجزيرة شمالاً، كانت ولم تزل حاضنة للهويات والثقافات، آلة خلق لا تتوقف عن إنتاج المادة الممتدة عبر الزمان والمكان، من تخومها، أو من البعيد، كان يأتي إليها من يؤسس فيها لوعي جديد، ويترك فيها إرثه الذي يمتزج بإرثها الحضاري.

مكانٌ لم يقم على الأعراق والأديان، بل على المهاجرين من كل مكان، والدماء الجديدة التي لم تتوقف عن التدفق في شرايينها، رغم تهدّمه الأول والثاني والثالث واللانهائي، فمن يذكر أسوار الموصل ومن يذكر بيوت الدير العتيق؟ التي بنيت فوق بعضها البعض كخلية نحل لمتمدنين جاؤوا إليها ليعثروا على بيئة تشبه أرواحهم؟

في بدايات الخمسينات، ومن سهوب ماردين، ومن قرية صغيرة في ريفها، تسللت سيدة من عرب تركيا تحمل أبناءها الكرد وجنينها عبر الحدود هابطة نحو الأراضي السورية، هرباً من مذابح اختلف مرتكبوها، واختلفت أسبابها، لتستقر على ضفاف الفرات، في قلب المدينة القديمة، دير الزور، بلا هوية ولا وثائق تثبت من هي، ولتعمل في مستشفى المدينة، لتضع حملها في مدينة لا يمكن وصفها بالأبيض والأسود، بل بلون التراب الذي بنيت منه، ثم زحف إليها مع الزمن، مغطياً جلال لهجتها وأزياء أهلها بمحارمهم البيضاء وعقولهم السوداء، هوية معقدة، زادها تعقيداً أمام ناظري الصبي فواز القادري كونه الغريب والفقير معاً، الذي وجد نفسه في سن السادسة محروماً من دخول المدرسة، لأنه كردي بلا حقوق أو وثائق.

من نسج القش إلى الشعر

طفلُ أميّ لا يقرأ ولا يكتب، زجّته الحياة في سوق العمل، فوجد نفسه يفترق صباح كل يوم عن رفاق طفولته، هم يذهبون إلى صفوفهم وهو يذهب إلى مهن شتى، من نسج القش إلى الميكانيك إلى شواء اللحم، لتمرّ أعوامه في خمسينات وستينيات القرن العشرين بأحداثها المتفاورة، دون أن يكبر، فلم يعرف من العالم سوى خشونة اليدين، والواجب الذي بدأ يكبر بعد أن ترك والده الأم وطفلها وحيدين في المدينة وعاد إلى تركيا مع بقية أبنائه، وهو ما يزال في شهوره الأولى بعد، لتتزوج أمه بوالده الثاني، الذي رعاه كأنه ابنٌ لدمائه.

في العاشرة من عمره يعمل في السوق العتيق، حيث يجاور الورشة التي يداوم عليها كل يوم، نادٍ ثقافي أهلي يجتمع فيه فنانو وكتاب المدينة، ومنهم المخرج المسرحي والممثل زهير الفراتي ابن الشاعر الكبير محمد الفراتي المترجم الأول للخيام والأدب الفارسي حينها، الذي يرى في الصبي الأميّ ما لم يره الآخرون، فيهتم بتقريبه وتنويره، ويعرض عليه المشاركة في مسرحية لكنه لن يتمكن من أداء دوره فيها، فلم يكن يملك ثياباً تليق بالتمثيل أمام جمهور، ليبقى قريباً من هؤلاء الكبار، الذين يصفهم بأنهم استقبلوه بمحبة، لكنه يختلف عنهم، فهم يتحدثون عما لا يفهمه، ويقرؤون بلغة لا يعرفها، كما لم يكن يعرف لغة غيرهاً.

فواز القادري الطفل الأعزل في سوق الشغل يقرر في الخامسة عشرة من عمره تعليم نفسه القراءة والكتابة، من لافتات المحلات في الشوارع، ومما يسمعه من كلام الأطفال من حوله، حروف إثر حروف، لتبدأ الكلمات بالتشكل في ذهنه، ويبدأ باستعارة مجلات الأطفال التي كان جيله قد تجاوز قراءتها

يقرّر في الخامسة عشرة من عمره أن يعلّم نفسه القراءة والكتابة، من لافتات المحلات في الشوارع، ومما يسمعه من كلام الأطفال من حوله، حروف إثر حروف، لتبدأ الكلمات بالتشكّل في ذهنه، ويبدأ باستعارة مجلات الأطفال التي كان جيله قد تجاوز قراءتها، فتعلم اللغة بحكايات ميكي ماوس وسوبرمان والوطواط، حتى نفدت تلك القصص من رفاقه الصغار، ولم يجدوا ما يعطوه سوى كتيب صغير للكبار، لم يكن سوى ديوان “سامبا” لنزار قباني.

سامبا وعالم الشعر

يقول فواز القادري إن كتيب “سامبا” الذي كان نزار قباني قد كتبه في يوم واحد في العام 1949، غيّر حياته، ودلّه على أن هناك كائناً في العالم اسمه “الشعر” كلمات سامبا صنعت بوابة الخيال لفواز القادري:

“غطَّ قوسَه في شرايين الشفقْ

خشب القوس احترق حين مسه

وأشار فعلى ضلع الكمنجا

وتر يسفح وهجا وشرارا”.

كان الفتى الذي أصبح يومها على ضفاف الشعر، يريد إعادة كتابة “سامبا” من جديد، لكنه ذهب إلى ما هو أبعد من هذا، حين اعتبر أن نزار قباني سيكون محطته الأولى في طريق اكتشاف القصيدة، ليبدأ بقراءة السياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري، فكان الشعر العراقي التجديدي فضاءه الثاني، الذي تدفق معه تيار وعي جديد ولغة جديدة وموسيقى جديدة.

وكانت قصيدة إيليا أبي ماضي “طلاسم” معبره الثاني نحو الهوية الخاصة والشخصية، ففيها حياة القادري وأبي ماضي معاً وفيها خلاص الإنسان من حرارة السؤال بحرارة السؤال “جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت، ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت، وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت، كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري، أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود، هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود، لست أدري”.

لكن كفاحه الأصلي، من أجل الهوية، كان لا يزال هاجسه كل لحظة، فلم ينس أنه إنسان يعيش بلا وثائق، سائراً في شوارع المدينة، التي لم يعرف سواها، دون أن تعترف به دوائرها الرسمية، وحين نجح أخيراً في تسجيل نفسه مواطناً سورياً، كان ثمن تلك الهوية سوقه الإجباري إلى الجيش، ليتمزّق القادري من جديد، بعيداً في حلب، بينما تغادر أسرته إلى دمشق، ليعيش سنوات بين المدن، قبل أن يقرّر العودة وحيداً إلى دير الزور، إلى العالم الذي عرفه وأتقن لغته قبل أن يتقن القراءة والكتابة.

يعود فواز القادري إلى مدينته، ليبدأ بالتعرّف إلى الفكر، بالقراءة، وإلى الفكر الثوري آنذاك، الذي سيجعله ينضم إلى منظمة سريّة يسارية معارضة، في زمن الثمانينات العاصف، الذي أوقع فيه حافظ الأسد شديد بأسه على المدن السورية واحدة إثر الأخرى، بدءاً من دير الزور شمالاً إلى حلب غرباً وجسر الشغور وحماة، زمن الخوف الذي هرب منه المثقفون إلى الفنون والآداب، مقاومين موجات التجهيل والبرمجة، بالتزوّد بالمزيد من المعرفة، عاش القادري هذا مواجهاً إيّاها بتشرّبه للأدب من خلال المناخ الجديد الذي أراد لنفسه الدخول فيه، فقرأ النتاج الثقافي القادم من أوروبا عبر ترجمات سان جون بيرس وبول أيلوار وأراغون، وقرأ شرقاً في أعمال ماياكوفسكي وبوشكين، وتعرف إلى أعمال شعراء مصر وبلاد الشام، لكن قصيدته كما يقول “بقيت مستقلة فكرياً، فلم تؤثر فيه الأيديولوجيا التي اعتنقها، ولا فضاءات الكتابة التي اختارتها جمهرة الشعراء العرب والعالميين”. فكانت أمسيته الشعرية الأولى في العام 1981.

كان الفتى الذي أصبح يومها على ضفاف الشعر، يريد إعادة كتابة “سامبا” من جديد، لكنه ذهب إلى ما هو أبعد من هذا، حين اعتبر أن نزار قباني سيكون محطته الأولى في طريق اكتشاف القصيدة، ليبدأ بقراءة السياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري، فكان الشعر العراقي التجديدي فضاءه الثاني، الذي تدفق معه تيار وعي جديد ولغة جديدة وموسيقى جديدة

وعول الدم

عاشت سوريا الثمانينات كمملكة جديرة بالصمت، وضربت عليها الأسوار من كل مكان، فانعزلت المدن في حارات، والحارات في بيوت، والبيوت في غرف، وكان بيت فواز القادري حينها ملاذاً للداخلين إلى المعتقل والخارجين منه، لكتّاب القصيدة الجديدة ولمتذوقي الحساسيات الغريبة عن البيئة المتصحرة، ولأولئك المطاردين من الجهل وعادات المجتمع، وكان القادري قد تحوّل إلى شيخ طفل، يصغي جيداً إلى الشعراء، ويفيض عليهم محبة ومعرفة وتشجيعاً، في تجريبه الشخصي لم يكن يدرك الفارق بين قصيدته وقصائد الآخرين، فكان منجز أيّ منهم يفرحه ويجعله يقترب أكثر من طريدته في كتابة “قصيدة النثر” المتطورة، التي اختارها بعد أن كتب شعر التفعيلة متأثرا بالرواد، راسماً مسافة بينه وبين أدونيس وسليم بركات وسعدي يوسف والآخرين، فكانت مشاركاتها في الحركة الشعرية السورية من خلال التجديد والبحث، بصمة هامة هادئة، بعيدةً عن الاستعراض والضجيج، تتكون مثل قصيدته وموضوعاته، متقدماً في الممرات:

” من قال تكفي

هذه الممرات

لأمشي في النوم فيها

إلى آخر الحلم

تكفي هذه الطيور

لنكتشف جنة على الأرض

من الشمع ما يكفي

لهذا السمر الليلي

الممتد حتى الآخرة.

للشجر غابة

لا يرتديها

في هذا الزمهرير

للعصافير أغصان وزقزقة

عاشت سوريا الثمانينات كمملكة جديرة بالصمت، وضربت عليها الأسوار من كل مكان، فانعزلت المدن في حارات، والحارات في بيوت، والبيوت في غرف، وكان بيت فواز القادري حينها ملاذاً للداخلين إلى المعتقل والخارجين منه

أكثر مما تريد

ولهذا الليل

آه هذا الليل الذي يتكرر

أقمار تكفي

إلى أحفاد أحفاده

و لهذه القصيدة

كلمات تشع

وأجراس يقرعها كل هواء عابر”.

في العام 1992 أصدر القادري ديوانه الشعري الأول “وعول الدم” بعد زمن طويل من الانتظار، ليس عن زهد في النشر، بل صبراً على النص لعله يتخذ جوهره المتكامل، لتتالى أعماله بعد ذلك الكتاب “بصمات جديدة لأصابع المطر ـ 1993 و”لا يكفي الذي يكفي ـ 2008 و”نهر بضفة واحدة ـ 2009 و”لم تأت الطيور كما وعدتكِ ـ 2010 و”في الهواء الطلق ـ2011 وقد بدأت ترتسم هوية قصيدته لغة وخيالاً وبصمات، فالعالم بقي هو هو بالنسبة إلى القادري، ذلك العالم الذي رآه الطفل ذات يوم، لم تتغيّر رغبته باكتشافه حراً، بلا قيود، ولم يتغير هو ولم تتقدم به السنوات، مفرداته المتجددة لم تأت من قواميس الآخرين، ولم يبتدعها قصداً، لكن سياقها كان يصنعها كل مرة، ومجرى النهر الذي يتدفق عبر نصوصه كان كفيلاً بإحضار الجديد مرة بعد مرة.

كتب عن نصوص القادري كبار النقاد العرب، وترجم شعره إلى لغات عدّة، وقال عن قصائده الشاعر والناقد اللبناني بول شاول “قصائد على علوّ من الفرادة ومن الخصب بغنائية تتنوع بين الحنين إلى الأمكنة والأشياء وحطامها وأطلالها وزهوها ذات زمن وبين هذه الإشراقات التي على صفائها لا تتناثر في التجريد ولا تيبس في الملموس ولا تتجمد في المباشرة لحظات تتداخل فيها اللعبة الشعرية وأسرارها”.

أسرار القيامة

هاجر فواز القادري مرغماً إلى ألمانيا، وفي ميونيخ واصل حياته وكأنه لا يزال في الدير العتيق، يرى النهر فراتاً، ويرى الجدران ذاتها، ويلفه الضباب وكأنه غبار تلك المدينة النائية، عقدان من الزمن أو يكادان، لم يقهرا في وعيه ولعه بالشط والنوارس النافرة التي كانت تجتاحه فجأة في ساعات المغيب، ولا تلك الصحبة التي لطالما انضمت في بيته الكبير والواسع على قلق الوجود والتخفي من المخابرات، الكتب المغلفة بالجرائد التي كانت تخفي عناوينها عن أعين الأمن، والليل الطويل، كل هذا بقي يحفر في روحه، حتى العام 2011، حين اندفع الناس إلى الشوارع، في ما رآه القادري قيامة للشعوب، فأعاد خلق قصيدته من جديد، ليكتب كل يوم كما يقول، بعد أن بدأ الحلم الذي انتظره طويلاً بالتحقق، يقول “مع الأسف، إن الشعر قد يكون حقيقة (الجدار الأخير) لكن من ذا الذي يوصل ظهره لذلك الجدار؟، قليل من الناس تستطيع أن تتكئ على الشعر كي لا تنهار، ونحن في لحظات انهيار كبرى اليوم، حلم حياتي رأيته يتحقق مع بدء الربيع العربي، وعندما أخذت الأثلام تصيب هذا الربيع، لم أفقد إيماني به، فما حصل أكبر مما يمكن أن يتصور الإنسان، كثير من القوى تداخلت في مسار الربيع العربي، وشوهته بهذا الجانب أو ذاك، لكنني مع غيري أقاوم بالشعر، لم أتوقف عن كتابة الشعر منذ أول يوم إلى الآن”.

وعي التاريخ شعريا

يرى فواز القادري أن كل شيء سيكون كما حلم ذلك الطفل، وسيحقق الناس ما خرجوا للمطالبة به، ليس من أجل أن تتأسس سياسات جديدة، ولكن من أجل أن يبنى إنسان جديد “فهمي للتاريخ، يقول لي إن هناك شيئاً آخر قد وجد في حواس وعقل إنسان هذه المنطقة شيء جديد لن يتوقف ولن ينتهي، سيُخلق إنسان جديد، وسيأتي الوقت الذي تتوازن فيه الأشياء وتتخلص من كل البشاعة التي تحيط بهذا الربيع″.

في العام 1992 يصدر القادري ديوانه الشعري الأول "وعول الدم" بعد زمن طويل من الانتظار، ليس عن زهد في النشر، بل صبرا على النص عله يتخذ جوهره المتكامل، لتتالى أعماله بعد ذلك الكتاب، وقد بدأت ترتسم هوية قصيدته لغة وخيالا وبصمات

عن سوريا الدامية كتب فواز القادري خلال السنوات الأربع الماضية مجموعاته الشعرية “ثلاثية القيامة” والتي صدرت بعناوين “قيامة الدم السوري” و”أزهار القيامة” و”كتاب النّشور” وصدر له باللغة الألمانية “تفتح قرنفل في الليل”.

تضع قصيدته ذاتها في موضعها الملائم لها من مسار الشعر العربي، رائقة مثله، وبريئة مثل ذهنه، متقدمة مثل تفكيره إزاء العالم والتاريخ:

” في الليل دم يشعّ

وللجراح أقمار تتدلى

مربوطة من أعناقها

لم يكن الموت كما يعرف الناس

جثث ملقاة في الشوارع بأحلامها

مدينة مستباحة

والظلام لم يخفِ

ما نُهب من أرواح”.

ينتمي القادري شعرياً إلى أجيال مختلفة ظهرت في سوريا، تمكن ببراعة من فعل هذا، بتحلّله من شكل واتجاه القصيدة من البداية، مواصلاً الصورة التي بدأها بها، ذات يوم في بداية السبعينات على ضفاف الفرات المضرج بالدم والأحبار.

15