فواز حداد: دمشق تهرب من تحت أقدامنا

الأحد 2014/05/25
فواز حداد: نحن نعيش الأيام السيئة الذاهبة إلى المجهول والمفتوحة على المجهول

من “خطوط النار” إلى “موازييك دمشق 39" و”تياترو 1949" مروراً برواية “الولد الجاهل” و”المترجم الخائن” وصولاً إلى “مرسال الغرام” و”مشهد عابر”، يرصد الكاتب السوري فواز حداد مشاهد من المعيش السوري ذات محامل سياسية واجتماعية وثقافية، ويسائلها أسئلة لا تكتفي بالظاهر من أحوالها وإنما تغوص إلى حقيقة أعماقها. وقد ارتأت “العرب” أن تتحدّث إليه حول تجربته الروائية، فكان هذا الحوار.

يذهب في الظنّ أن قراءة المنجز الروائي لفواز حدّاد تحيل إلى كون تجربته الكتابية تمتح من معين التجربة الروائية العالمية، ومن مجلوباتها النظرية الحديثة على غرار الميل في كتابتها إلى قوة الواقع قبل قوة التخييل. ولعلّ رواية “جنود الله” قد كتبت تحت تأثير هذا التحوّل الفني، وهو أمر يقول عنه فواز حدّاد: “لا أعتقد أن لرواية “جنود الله” علاقة بتحولات على صلة بما يجري في الواقع والأدب الغربي، ولا أدري مدى التشابه بيننا وبينهم”.


خيال ابن الواقع


وفي الشأن نفسه، يضيف حدّاد قوله: “ما أنا على يقين منه، أننا نحن أيضاً لدينا حياتنا وما يعصف ببلداننا، التخلف المستحكم، رياح الأصولية، والربيع الذي جاء متأخراً، ثم انقلب إلى فصل متقلب، وفي غزو العراق شاهد قوي، وحالياً هذه الاضطرابات التي لا تستقر على حال.

المنطقة العربية من أكثر المناطق عرضة للمؤثرات الداخلية والخارجية، وما ينجم عنها من متغيرات هزيلة، إن لم يكن تراجعات وطنية وقومية وإنسانية، تعقبها فترات ركود، هذا ما ندعوه بفترات سلام، لا تخلو من القمع والمصادرة. لذلك لا بد أن تنعكس هذه الأحوال على الرواية، وأية رواية غير بريئة منها، حتى بمحاولات تجنبها، ونادراً ما يفلت الروائي منها، ما دام يعيشها. حسب اعتقادي لا يمكن الاكتفاء بملامستها، وإنما الاقتراب بشدة منها، دونما افتعال للغموض، ولأن الحدث ملتبس، والأشخاص غير واضحين، والأفكار شائكة، ينبغي ألا نضفي عليهم المزيد من الغموض، ما سيشكل تعمية غير مبررة. بالعكس يجب أن ينصبّ جهدنا على أن تكون الرواية وسيلة معرفة وكشف وفهم، أي الرواية كمسبار للواقع. هذا لا يلغي الخيال، بل ينشطه ويطلقه في الاتجاهات كافة، ثمة ثغرات في الواقع لا يرأب الصدع فيها سواه. أقول كلما كنا على صلة بالواقع، كانت حاجتنا للخيال ماسّة، استطعنا التحليق عالياً. لا خيال من دون واقع. عندما يقصر الواقع، نستدركه بالخيال. لكنه خيال ابن الواقع″.


رواية المجازفة


في روايته “المترجم الخائن”، من الذوقية والبراءة، ما يمكن الاكتفاء بها لمن يرغب. أما المتشوق إلى استجلاء “خطوط النار” والخوض في وجوه معانيها، فهو سينقاد إلى قراءة ثانية هي حكماً مقاربة بحثية ونقدية لطريقة عمل الكاتب، وهنا طرحنا تساؤلين: أولهما عن الناقد المكمل للقراءة وضرورة وجوده. وثانيهما عن إباحة التجريب على صعيد الروائي خاصة، و الكتابي بشكل عام وشرعية تبني كل أشكاله. وعن هذين السؤالين يجيب حدّاد قائلا: “كل رواية بالنسبة إلى الروائي، تجربة مختلفة عما سبقها على عدة مستويات، أغلبها إشكالي، فهو بالضرورة في كل عمل يقارب موضوعاً مختلفاً، ما يستلزم تنويعاً، يتجلى في أسلوبية قد تقوده إلى مجازفة تجربة أخرى، لم يصادفها من قبل. إذا لم ينسق إلى هذه المجازفة فهو يجازف بتكرار ما كتبه. هناك روائيون كتبوا عشرات الروايات، لكنهم كتبوا دائماً الرواية نفسها. من الطبيعي، أن يحاذر الروائيون التجارب غير الآمنة، أو المجهولة، فيكتبون احتياطاً موضوعات شائعة وأساليب سبق استعمالها. هناك أقوال لبعض النقاد، يرون أن الروائي يكتب في حياته رواية واحدة، ويعيد كتابتها المرة تلو المرة. وفي هذا سند لدعواهم، لكنه غير مقنع، ولا يغني عن التجربة.

التجريب مطلوب، ولا شيء يمنعه، لكن على أن يكون الروائي متمكناً من أدواته، وألا يقنع بالقليل منها، فلا يعتمد على أسلوبية جاهزة، أو نمط معين، وإلا كان الطريق إلى التجريب مغلقا. هذا لا يتعارض مع بصمة الأديب، إذ لكل منا بصمة تظهر في كل رواية، وإن من خلال تجارب متباعدة ومختلفة.

الناقد في البدء والمنتهى هو قارئ، لكن مجهّز بأدوات نقدية تساعده على تفكيك الرواية، وجلاء تميزها، وإدراك طبقاتها، وليس مديحها مديحاً مجانياً. قلة من النقاد من يغوصون في العمل، ذلك يستلزم جهداً وذائقة”.

لا أمان تحت ظلال الحواجز والتفتيش والميليشيات المسلحة والتفجيرات العشوائية، وأزمنة الانتظار المديدة


سلطان الإبداع


عن علاقة النقد بالكتابة الروائية، يقول حدّاد: “أغلب النقد المتوافر في الصحافة اليومية والثقافية، يعمل عليه صحافيون، يتابعون أخبار الإصدارات والتعليق عليها، وقد يعملون على عرضها، أو ما يشبه العرض، وتقريظها أو انتقادها، ليست لديهم معايير، مجرد نقد انطباعي، وهذا لا يجنبه الخطأ، ولا التسرع في إصدار الاحكام. الشغل الصحافي على الرواية، دعائي أكثر منه نقدي. المرشد في النقد الصحفي هو العلاقات الخاصة. نقد الرواية يحتاج إلى ثقافة واسعة متنوعة، وأمانة لا بد منها.

أشكال التجريب مباحة، وهي حصيلة جهد إنساني، شاركت فيه أجيال من المبدعين، لا يقتصر على حضارة أو دولة.إنه مدين لأزمنة الإبداع وسلطانها، ولتاريخ الرواية، والجهد الروائي. لذلك من الخطل الاعتقاد بأشكال غربية محضة، إذ هي تنتمي إلى جمهورية الأدب، وهي جمهورية تعنى بالبحث عن الأساليب والحلول والطرق، ومخاطبة الحياة، وإطلاق الأدب في النفس الإنسانية، وإذا كانت صبغتها غربية، فلأن الغرب أحد أكبر المساهمين فيها، ولا تمنع ديمقراطية جمهورية الأدب من دخول أي روائي إليها، ولو كان من بلد بالكاد له وجود على خريطة العالم. وبالتالي الذخيرة الروائية مفتوحة ليستفيد منها الجميع من دون استثناءات. عموماً أية تجربة لا يمكن أن تكون ناجحة إلا إذا متحت من محيطها الثقافي والحياتي والاجتماعي، وانقلبت عليه”.


القمع والمنع


هناك سؤال يتعلق بالتنظير وصورته هل يرى فواز حداد أنه بإمكان التجارب الروائية الاستفادة مما نراه في الاحتجاجات و المظاهرات في الساحات العربية، بوصفها تحقق بعض شروط الفرجة والتورط والتلصص؟

يجيب حدّاد قائلا: “بالنسبة إلى التجارب الروائية، كل ما يقع عليه البصر، هو مادة روائية قابلة للاستخدام، تتبضع الرواية من الشوارع والأسواق المفتوحة على العيش والصراعات والتقلبات والتاريخ والحياة… الاحتجاجات والمظاهرات بعض من مظاهر التمرد والمطالبة بالحريات والحقوق، مادة للتأمل والتورط… والمشاركة، سواء فعلياً أو بالكتابة. إذ هي محرض عالي الوتيرة، غابة من الوجوه والحماسة والهتافات والعرق والكرامة واليد الواحدة والأحجار والقنابل المسيلة للدموع، ولا تغيب عنها الدماء ولا الرصاص والشهداء.

بعد هذا الزمن الطويل من القمع والمنع، تستدرج المظاهرات عشرات المشاعر والتداعيات والأفكار، وآمال التغيير. عالم مفتوح العيون على الماضي والحاضر والمستقبل. كيف بعد هذا الخوف المقيم، وقمع لم يتوقف عند حد، أطاح الناس بجميع الممنوعات والمحظورات وهبّوا ثائرين، شيء يختلف عن الثورات التي نعرفها، وما تصدره السينما. أن تنتشر المظاهرات في أرجاء سوريا كافة، وكأنهم على موعد واحد، وبقلب واحد، من الممكن تفسيره أن المظالم كانت واحدة، ولهذا تجاوبت المدن والأرياف مع انطلاقة الانتفاضة، فعلى الرغم من الحل الأمني والدبابات وراجمات الصواريخ، المظاهرات استمرت سلمية على الرغم فيما بعد من توريطها بالتسلح. لا أوضاعنا ولا ظروفنا، وعمق الصراع، باتت تتيح الفرجة والتلصص، لا أحد خارج المعمعة، حتى القابعون في ظلام منازلهم، ليسوا بمنجاة من قنابل الهاون، الجميع في دائرة الخطر، ومعرض للمخاوف. هذه الحرب حملت الآمال كلها، والبشاعات كلها”.

بعد ثلاثة أعوام من الثورة وأربعين عاماً من الوصاية الرسمية، بقيت نخبة من المثقفين السوريين ذات نظر نقدي وموضوعي ومحايد ولم تغرق في الانقسام، إلا أن هذا لا يمنع من التساؤل حول إمكان أن تتأثّر الثقافة بالتقسيم السياسي الطائفي، وعن هذا التساؤل يجيب حدّاد: “ما ألاحظه أن عددا من المثقفين يغرقون في الانقسام، وأن لهذا الانقسام جاذبيته على كثير من المثقفين، فما الدور الذي يلعبونه للخلاص أو المساهمة في الخلاص من نير هذا التقسيم. يجيب حدّاد بقوله: “الانقسام حاصل، جاءت الثورة وكشفت عنه، كما أن بعضهم اكتشفوا أنفسهم، فارتدوا إلى طوائفهم، مع أنهم جميعاً لا يعترفون بطائفية انحيازاتهم. هذا الانقسام مدمر للنسيج الاجتماعي السوري، كما أنه يُدخل الثقافة السورية في دائرة الأكاذيب والانحطاط، نحن في كارثة حقيقية نجترها منذ ما يزيد على سنوات ثلاث، الأدهى أنه انقسام في أحد وجوهه مسلح، المثقفون يستعدون السلطة على بعضهم بعضاً، هذه أسوأ جائحة مرت على سوريا، لم تدع أحداً من شرورها، لا أدري فيما إذا كنا سننجو منها، ولو كان مع الكثير من الخسائر، لا ضمانة فيما لو استمرت الأمور على ما هي عليه، إلا نحو المزيد من التفكك والعداء والدماء… الجنون يتحكم بسوريا، لم أتصور حتى في أعتى كوابيسي أننا سنذهب إلى هذا المنحدر. من المسؤول؟ النظام الذي لم يقبل بأي حل سلمي، من خلال بعض الإصلاحات، ولا نعفي المثقفين أيضاً، لقد شاركوا به وحرضوا عليه”.

تتبضع الرواية من الشوارع والأسواق المفتوحة على العيش والصراعات والتقلبات والتاريخ والحياة


دمشق الأسيرة


ماذا عن دمشق اليوم ألا تبدو وكأنها على موعد مع حرب قادمة، هي تعيش زمنها الخاص، زمن التغافل عن الخوف، مع أنها خائفة. أليست هذه حالة روائية خاصة؟ ألا تنتج ثقافة توحي بالاستقرار وتطمئن نفسها بمشاريع عابرة للحرب، ولكنها أقرب الى مغامرات، أو مراثونات للنجاة من الكارثة؟ عن كل هذا يقول حدّاد: “تعيش دمشق حالة روائية فريدة، فهي غارقة في الخوف، مهددة على الدوام، تجهل ما يراد لها، الأخطار تراودها من حين لآخر، لكنها تعيش آلام سوريا كلها، وتتوقع الأسوأ، وعيش في السر، بلا أسرار، ومجروحة في الصميم، لا تنسى وإن حاولت النسيان، مكابرتها لا تجدي، الوحل والعسكر والشبيحة يعبثون بها، تدرك أن مصيرها مصير سوريا، لا استثناءات، ولا نجاة مما يعم البلاد كلها، وإن بدت آمنة، لكن لا أمان تحت ظلال الحواجز والتفتيش والميليشيات المسلحة والتفجيرات العشوائية، وأزمنة الانتظار المديدة. إنها الأيام السيئة، الذاهبة إلى المجهول، والمفتوحة على المجهول، لا أمان ولا شبه أمان، مادام السلام لم يلح في الأفق، وما تنعم به من هدوء نسبي، لا يجلب سوى الإحساس بالذنب، وإذ لا تشارك المدن والأرياف بالموت مصادفة. إذ هي أسيرة، مسوّرة بالأحقاد، وملغومة بالنقمة. لا مشاريع، كل يوم بيومه. الأمل كذب، فلا تتذرع به. تبدو دمشق وكأنها تنسحب من تحت أقدامنا، وتصبح أخرى، غريبة حتى على أهلها. الحرب لم تدع أحداً من شرورها، أصابت الجميع، كل في مقتل، على عتبات موت مفاجئ أو مديد”.


إهانة التاريخ


وعن الأمكنة التي تربطها بفواز حداد علاقة حميمة وآلت مؤخرا إلى خراب، يقول الكاتب: “الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها ، والمرور بها، ليس دفعة واحدة؛ أسواق المزة في الشيخ سعد، حديقة ابن رشد، أوتوستراد المزة، البرامكة، طريق الجامعة، أبو رمانة، ساحة النجمة، الصالحية، الحمراء، أزقة سوق ساروجة، البحصة، مقهى الهافانا، ساحة المرجة، السنجقدار، المناخلية، باب سريجة، الجسر الأبيض، سوق الحميدية، القيمرية.. دائرة تجوالي في دمشق الصغرى حسبما أسميها، مجالي الحيوي الضيق الذي اعتدته. هذه الأماكن لم تدمر، حصل لها الأسوأ ، كان من الممكن أن تحافظ على حالتها وبهائها في الذاكرة. لقد شوهت، كأنها لم تعد هي. انتهكت بفظاظة، بالحواجز، وإقامة الجدران، والميليشيات المسلحة، والشبيحة والجنود المبرقعين، والاعلانات والصور والأكاذيب… العبث بها إهانة للتاريخ ومستقبل سوريا، ماذا لو كان على هذه الشاكلة؟!.”.

15