فوبيا

السبت 2015/02/14

أصرّت الطبيبة الإنكليزية الشابة على إصلاح سني المعطوبة، وبعد محاولات ترميم فاشلة تحطم مركز الابتسام إلى قطع صغيرة بائسة ليترك على ملامحي تعبيرا باهتا لا سبيل لإصلاحه. اعتذرت الطبيبة الشابة مطولا، خوفا على مستقبل ابتسامتي فوعدتني بسن اصطناعية مجانية، قررت أن تصلها بالفراغ عن طريق جسر معدني ينتهي عند الضفة الأخرى من الفك الأعلى.

في الموعد المحدد كانت الطبيبة قد أعدت العدة لمعركة بدت شرسة، حيث غصت طاولة الفحص بمعادن متنوعة من أدوات العمل ونماذج لأسنان ومرايا بأحجام صغيرة، قطن، محاليل بطعم حاذق ومثقاب كهربائي لصقل الأسنان! وكان المشهد مرعبا بما فيه الكفاية لاستسلامي حتى قبل أن تبدأ المعركة.

تلقت الفتاة الشابة رسالة الاستغاثة القابلة من عالمي الآخر، فابتسمت وأجلستني بهدوء على كرسي الاعتراف، وربّتت على قلقي بقطعة موسيقية من ضربات القدر لبيتهوفن ولوحة سريالية ألصقتها على وجه السقف، الذي يقابل في العادة نظرات المريض المستسلم على الكرسي.

وهكذا، كانت عمليات الحفر والتنقيب تجري على نغمات الموسيقى وبحضور كائنات هلامية انبثقت فجأة من اللوحة السريالية لتنشب أظافرها في ذاكرتي.

وحين اقترن صوت المثقاب الكهربائي اقترانا شرطيا بصوت الماضي وصور المعذبين في الحرب وعطر أنفاسهم الأخيرة، تخيّلت نفسي ضحية محتملة تخضع لجلسة تعذيب في إحدى غرف الجحيم، فصرت أقفز من مقعدي كلما تسارع عمل المثقاب ومع كل ضربة من ضربات القدر، حتى فقدت الطبيبة صبرها أخيرا.
هذه الطبيبة الشابة المتخصصة في إعادة الابتسامات إلى نصابها الطبيعي، تحافظ على صحتها كثيرا، فهي تكثر من تناول الخضراوات ولا تتابع نشرات الأخبار.

باغتتني بالسؤال، ماذا يحدث الآن؟ هل هو موجع إلى هذا الحد؟ فاجأني سؤالها، موجع! “نعم، كثيرا، وأيضا أعاني من فوبيا الأماكن المغلقة”. كلمة السر هذه كانت كافية بصورة مؤقتة لتعليق العمل في عمليات الحفر والصقل.

وفوق هذا، قررت الطبيبة المسكينة إرسالي إلى العيادة النفسية، قبل خضوعي لجلسة استجواب أخرى، لكنني أقنعتها بالعدول عن هذا القرار الجائر، فالأوان قد فات يا سيدتي المدللة، قلت لها، والطير الغريق لم يعد يخشى البلل.

وعدتني الكائنة الرقيقة بمزيد من الموسيقى والمواد المخدرة، إذا ما قررت العودة بإرادتي. وحتى يحين الموعد المقبل، حذرتني من الاسترسال في ابتسامة عريضة مهما كانت المسوغات!

إنها الحرية أخيرا، غادرت عيادة الأسنان بوثيقة إفراج مؤقتة فصفعتني برودة الطقس في الخارج، وبادلتها التحية بأحسن منها. وقبل أن استفيق من الصدمة لمحت إلى يمين الشارع، بابا متأرجحا لمطعم وجبات سريعة كان يغص بزبائن بدوا فرحين، وهم يحملون أكياس الطعام ويعدون أنفسهم بوجبة لذيذة.

قلت في نفسي “ولم لا! إنه يوم آخر”، وتخيلت مشهد قطع السمك المقرمشة وأصابع البطاطا الممرغة حتى أذنيها بالكولسترول الخبيث، فضحك خاطري وكدت أقع في شرك ابتسامة عريضة، لو لا أني استدرت إلى الناحية الأخرى من الشارع، فلمحت عصفورا وسيما يرتدي معطفه الأخضر ويوزع نظراته المترفعة على المارة من فوق الشجرة، وخُيّل لي بأنه كان ينظر إلى ناحيتي ويبتسم! تذكرت علب الدواء التي تركتها مهملة في المنزل، فحملت ملامحي المتجهّمة واستدرت إلى الشارع العام وكنت أقول في نفسي “لا بأس أيها العصفور الخبيث، سأذهب إلى المنزل، سأكتفي بطبق كبير من الخضراوات المملة ونصف ابتسامة”.

21